English

مرضى الاضطرابات الذهانية.. جرائم مختلفة ولا قانون يجبرهم على العلاج


2021-10-07

رزان الحاج*

 

تزايدت الحالات المترددة على مراكز الدعم النفسي، حيث أفادت وزارة الصحة بأن هناك 40 ألف زائر لمراكز الدعم النفسي في النصف الأول من  عام 2021، أما مستشفى الأمراض النفسية فاستقبل 1900 مريض في النصف الأول من عام 2021، كانت من بينهم 700 حالة مصابة بمرض الاضطراب الذهاني.

بعد العدوان الأخير على غزة، سجلت النيابة العامة حالة قتل لأحد المواطنين، وبعد التحقيق في الحادثة مع الجاني، ظهرت عليه أعراض غريبة، فقامت النيابة بتحويله إلى مستشفى الأمراض النفسية، وبعد عدة أيام، أفادت لجنة طبية من المشفى بأن الجاني مريض باضطراب ذهاني.

في هذا التحقيق، نسلط الضوء على الجرائم التي يرتكبها مرضى نفسيون، وأمراضهم، وكيفية التعامل معهم من الناحية القانونية، خاصة أمراض الاضطرابات الذهانية التي ثبتت خطورة المصابين بها على أنفسهم وعلى البيئة المحيطة بهم.

عرف الطبيب النفسي محمد أبو السبح مرض الاضطراب الذهاني بأنه: "سوء استنتاج للواقع ورؤيته على غير ما هو عليه، حيث يبدأ بنوبة ذهانية حادة لمدة شهر، تعقبها ستة أشهر من الأعراض المتبقية، وتتمثل أعراض الإصابة بهذا المرض في الهلوسة والتخيلات، بمعنى أن يعتقد المريض اعتقادات خاطئة لا أصل لها، ولا يمكن إقناعه أو مناقشته، مثل ادعاء النبوة أو الشك بتآمر الناس عليه والتوهم ببث أفكاره للقمر الاصطناعي، وتتمثل الأعراض أيضاً في "الحيود" بالكلام، أي الانتقال من فكرة لأخرى من دون ارتباط فيما بينها، وتظهر عليه تصرفات غريبة وانطواء وفقدان دوافع الحياة".

توجهت معدة التحقيق لعيادة د. أبو السبح للتقصي عن حالات الاضطراب الذهاني، ليخبرها بأن في ملفاته قصصاً وصلت إلى مراحل متقدمة، ففي إحدى الحالات، يعاني مريض من اضطرابات ذهانية فيتوهم بخيانة زوجته له مع جاره، ما دفع الزوجة للذهاب لبيت أهلها، وبعد فترة، وصل أهل المريض لقناعة بأن ابنهم في تحسن ملحوظ فقرروا إعادة زوجته إليه.

وبعدما عادت الزوجة، عادت معها أوهام الزوج، ففي الليلة نفسها، قام باقتحام منزل جاره والتفتيش عن زوجته لقتلها، لكنه لم يجدها.

وتحدث الطبيب عن حالة أخرى لطبيب تخدير قام بحقن بناته وأولاده بمادة سامة، ما تسبب بموت اثنتين من بناته، وبعد متابعة تفاصيل الجريمة، تبين أنه مصاب باضطراب ذهاني.

ولمزيد من البحث، تحدث من مستشفى الأمراض النفسية الوحيد في قطاع غزة، الطبيب بسام عبد الواحد، عن إحدى الحالات المرضية التي ارتكبت جريمة قتل.

 

لا يقبل العلاج

في تفاصيل القصة، قتل المريض رجلاً فاقداً للعقل في منطقته متوهماً بأنه متخابر مع الاحتلال الإسرائيلي، وأنه أعطى الاحتلال إشارة لقصف منزله، وأخبر الأطباء عن نيته قتل عدد من الأشخاص الذين يشك بتخابرهم مع الاحتلال.

أنهى عبد الواحد كلامه بالقول: "هذه حالة من بين الكثير من الحالات".

وأضاف عبد الواحد أن مريض الاضطراب الذهاني لا يعترف بمرضه ولا يقبل العلاج، رغم خطورة مرضه على نفسه وعلى المجتمع، إلا أن الطبيب لا يستطيع إجباره على العلاج لأنه لا يوجد قانون فلسطيني يُعطي الطبيب الحق في إجبار المريض على العلاج، حتى لو كان هذا المريض يشكل خطراً على غيره، وكل ما يمتلكه الطبيب من صلاحيات هو توقيع ذوي المريض على ورقة خلو مسؤولية، فإن المريض مسؤولية ذويه في ظل غياب القانون.

ولفت عبد الواحد إلى أنه في كثير من الأحيان يتم علاج المريض باتباع خطة علاج معينة، وعند ملاحظة استجابة وتحسن ملحوظين على المريض يتوقف ذووه عن إعطائه الدواء من دون استشارة الطبيب. في هذه الحالة، يشكل المريض خطراً على المجتمع، لأن تحسن صحته النفسية كان تحت تأثير العلاج، وتوقف العلاج في منتصف المرحلة العلاجية يُعيد المريض إلى ما كان عليه، بل ربما إلى حال أسوأ.

 

من دون تشديد

رغم حالة مريض الذهان الخطيرة على من حوله وعلى المجتمع وحاجته للعزل في غرفة داخل المصحة النفسية، إلا أنه وبعد البحث، لم تجد معدة التحقيق إجراءات للحراسة والأمن في مستشفى الصحة النفسية. فعلى سبيل المثال، عندما توجهت لمستشفى الأمراض النفسية، لم تجد أي حراسة، ولم يطلب منها أحد على البوابة أي ورقة تذكر سبب دخولها المشفى، ما دفعها إلى سؤال مصدر في المشفى عن السبب، فأخبرها بتقصير في جانب ضبط المشفى، رغم هروب مريض من المستشفى في اليوم السابق لزيارتها.

وشهدت معدة التحقيق حالة هروب أخرى، وهذا يرجع لعدم وجود حراسة على البوابة، فهناك عنصران من الشرطة على البوابة الفرعية، أما البوابة الرئيسية للمشفى، فهي خالية من الأمن والحراسة.

وأضاف المصدر: "من المفترض أن يكون الدخول للمستشفى عن طريق الهوية الشخصية لمعرفة من دخل ومن خرج، فهو للأمراض النفسية وليس مستشفى عادياً".

 

غرفة واحدة

يقول الدكتور أسامة عماد رئيس قسم الأبحاث النفسية، إن هناك 6 مراكز للدعم النفسي موزعة على مناطق متفرقة من القطاع، ومستشفى واحداً فقط يحتوي على أقسام للمبيت وغرفة واحدة للرجال وأخرى للسيدات لعزل الحالات التي تشكل خطراً على باقي المرضى.

وشدد عماد على أن الاكتشاف المبكر للمرض يعني تعافياً مبكراً، لكن تبقى المشكلة في العادات المجتمعية التي لا تقبل فكرة العلاج النفسي، فلا توجد صحة عامة من دون صحة نفسية.

وأضاف عماد أن المريض الذي يشكل خطراً على المجتمع ويطالب ذووه خروجه من المستشفى، يقوم الطاقم الطبي بنصحهم وإقناعهم بخطورة خروجه، وفي حال أصروا على خروجه، يتم توقيعهم على ورقة "خلو مسؤولية المستشفى ما قد يترتب على خروجه من عواقب"، لكن لا قانون يجبره على بقائه في المستشفى، حتى لو كان خروجه يشكل خطراً على المجتمع.

أما الجناة الذين يتم تحويلهم من النيابة العامة أو القضاء، فيقوم المستشفى بوضع الجاني تحت المراقبة من دون علاج لمدة أسبوعين قابلين للزيادة، وبعد ذلك، يُعرَضُ الجاني على لجنة تتكون من أعضاء من الطب النفسي وأعضاء من وزارة الصحة، ومن ثمَّ يصدر تقرير بحالة المريض، وبناءً عليه، تقوم النيابة أو القضاء بإصدار الحكم عليه، ومن ثم تحويله للمستشفى مرة أخرى لتلقي العلاج في حال ثبت أنه مريض نفسي وليس مدعياً المرض النفسي.

 

لا يوجد قانون

توجهت معدة التحقيق للنيابة العامة، كونها الجهة الرسمية المسؤولة عن مباشرة الدعوى الجزائية بما لها من سلطتي التحقيق والاتهام، فامتنع أي مسؤول في النيابة عن مقابلتها بعد عدة زيارات ومحاولات، واكتفوا بإرسال كتاب مختوم يوضح الاجراءات القانونية المتبعة.

يقول الكتاب المرسل من النيابة العامة إن المادة رقم 149/1 من قانون الإجراءات الجزائية في فلسطين تنص على أنه "متى انتهى التحقيق ورأى وكيل النيابة أن الفعل لا يُعاقب عليه القانون، أو أن الدعوى انقضت بالتقادم أو بالوفاة أو بالعفو العام، أو لسبق محاكمة المتهم عن ذات الجريمة، أو لأنه غير مسؤول جزائياً لصغر سنه أو بسبب عاهة في عقله، أو أن ظروف الدعوى وملابساتها تستوجب حفظها لعدم الأهمية، يُبدي رأيه بمذكرة ويرسلها للنائب العام للتصرف بها".

مما سبق، نجد أن قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني منح النيابة العامة سلطة حفظ الدعوى الجزائية بعد انتهاء التحقيق فيها، وتبين أن الجاني غير مسؤول جزائياً لوجود عاهة في عقله، يكون الإفراج عنه واجباً في هذه الحالة مع  إحالته إلى المراكز الصحية لمتابعة علاجه، ولا يكون للنيابة العامة أي دور أو رقابة بعد إحالته للعلاج.

ويخضع تقدير إخراجه من المصحة من عدمه إلى المركز الطبي الذي يخضع فيه للعلاج، فإيداع الجاني في المستشفى لا يعتبر عقوبة، وإنما من التدابير الوقائية.

كما أشارت النيابة إلى أن القانون الفلسطيني لا يجبر المرضى على تلقي العلاج، بل هو من الحقوق المقرونة باختياره، حتى لو كان المريض يشكل خطراً على المجتمع، وإذا تبين لها أن المتهم غير مسؤول جزائياً لوجود عاهة في عقله، فلا يمكن إحالة المتهم إلى المحاكمة.

وعند طلب إحصاءات بعدد الحالات الجنائية التي ارتكبت جرائم نتيجة أمراض نفسية، ردت النيابة أنه "لا توجد لدينا إحصاءات بهذا الأمر".

 

قانون دولي

تنص الفقرة 6 من المبدأ 11 "الموافقة على العلاج" من "مبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي وتحسين العناية بالصحة العقلية"، الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1991، على أنه "يجوز أن تُنفذ على المريض خطة علاج مقترحة من دون موافقة المريض".

وعندما يؤذن بإجراء أي علاج من دون موافقة المريض، يجب مع ذلك بذل كل جهد لإعلام المريض بطبيعة العلاج وبأي بدائل ممكنة، ولإشراك المريض في وضع الخطة العلاجية بالقدر المستطاع عمليا.

 

يبقى السؤال: لماذا لم يُقَرَّ قانون للصحة النفسية في فلسطين، يُجبر المريض على العلاج في حال كان يشكل خطراً على نفسه وعلى المجتمع، قانون يحفظ حق المريض النفسي بالعمل والزواج والسفر بعد تلقيه للعلاج، وإلى متى يبقى المريض النفسي شخصاً مهمشاً، وإلى متى سيبقى القانون الذي يحفظ حقوقه غير موجود بعد؟

 

*  أعد هذا التحقيق الاستقصائي ضمن برنامج لمركز تطوير الإعلام لتدريب في الصحافة الاستقصائية بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية


Developed by MONGID DESIGNS all rights reserved for Array © 2024