English

مكافأة نهاية الخدمة .. أرباب العمل يساومون العمال على "شقا العمر"


2021-10-06

محمود أبو الهنود*

لم يكن أبو محمد (في الخمسينيات من عمره ومن سكان مدينة غزة) يعلم أن عمله لدى شركة مقاولات خاصة أكثر من 20 عاماً، سينتهي من دون أن يحصل على حقوقه التي كفلها قانون العمل، بعدما طلب منه مديره في الشركة التوقيع على مخالصة خطية تنتقص جزءاً كبيراً من حقوقه المالية، خصوصاً مكافأة نهاية الخدمة، التي طالما كان ينتظر بفارغ الصبر الحصول عليها كي تعينه على توفير جزء من متطلبات حياته الصعبة.

ووفقاً للمحامي علي الجرجاوي مدير وحدة الحقوق بمركز الديمقراطية وحقوق العاملين في مدينة غزة (مؤسسة أهلية)، فقد تعامل المركز خلال الأعوام الخمسة الأخيرة مع كثير من الشكاوى تقدم بها عمال يعملون لدى شركات خاصة، جراء محاولة العديد من أصحاب العمل سلب حقوقهم العمالية، التي كفلها لهم قانون العمل، خصوصاً فيما يتعلق بالبند الخاص بأتعاب الخدمة.

وتنص المادة 45 من قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لعام 2000 على حق العامل الذي أمضى سنة من العمل الحصول على مكافأة مالية قدرها أجر شهر عن كل سنة قضاها في العمل على أساس آخر أجر تقاضاه، من دون احتساب ساعات العمل الإضافية، وتحتسب لهذا الغرض كسور السنة.

http://muqtafi.birzeit.edu/en/pg/getleg.asp?id=13975

لكن وفقاً للجرجاوي، فإن بعض أصحاب العمل يصرّون على مخالفة القانون، ويستغلون حاجة العمال للعمل لديهم، ويرغمونهم على توقيع مخالصات مالية مجحفة في حق كثيرين منهم.

المحامي علي الجرجاوي

 

أرقام مقلقة

تشير المعطيات الرقمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في تقريره السنوي لعام 2020، إلى أن حوالي 35 في المئة فقط من المستخدمين بأجر في القطاع الخاص الفلسطيني يحصلون على حقوقهم (بتمويل التقاعد ومكافأة نهاية الخدمة)، وأن نحو 70 ألفاً من المستخدمين بأجر يعملون من دون عقود عمل.

وحسب التقرير، تبلغ نسبة العاملين في فلسطين نحو 955 ألف عامل، 54 في المئة منهم يعملون بأجر في القطاع الخاص، فيما يبلغ عدد المستخدمين منهم الذين يعملون بأجر ولديهم عقد عمل دائم (مكتوب لفترة غير محددة) حوالي 60 ألف مستخدم، بينما حوالي 132 ألف عامل في القطاع الخاص لديهم عقود عمل في شكل مؤقت، مقابل حوالي 180 ألف عامل ليست لديهم أية عقود عمل.

الدكتور سلامة أبو زعيتر عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين يؤكد أن بعض أصحاب العمل يلجأون للتهرب من الالتزام بحقوق العاملين، ويرغمونهم على توقيع مخالصات وهمية في شكل غير قانوني، وغير إنساني، متناسين ما يترتب على ذلك من ظلم وتسلط على حقوق العمال، واستغلال حاجتهم للعمل بابتزازهم ومساومتهم للتوقيع على مخالصات مخالفة لقانون العمل مقابل حصولهم على أجورهم المترصدة منذ شهور بحجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، أو من خلال مساومتهم في الاستمرار بالعمل مقابل أن يوقعوا على مخالصة عمالية تنتقص من حقوقهم، ما يجعل العامل في موقف ضعيف، معتقداً أن فرصة استمراره في العمل والحفاظ عليها أولوية بالنسبة إليه، فبعض أصحاب العمل لا يتركون مفراً للعمال فإما التوقيع أو الطرد.

ويشير أبو زعيتر إلى أن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين تلقى العديد من الشكاوى من قبل عمال حول مكافأة نهاية الخدمة، موضحاً أن العديد منهم توجهوا للاتحاد للاستفسار عن البعد القانوني حول محاولة بعض المشغلين إرغامهم على توقيع سند مخالصة يسلبهم حقوقهم في مكافأة نهاية الخدمة، حتى وهم على رأس عملهم، حيث تم توجيه النصح والمشورة لهم بعدم التوقيع لعدم قانونية تلك الإجراءات وبطلانها، خصوصاً أن قانون العمل ينص على أنه لا يحق للعامل نفسه التنازل عنها.

كما وصلتنا شكاوى وإفادات من قبل عمال بأنهم وقعوا على مخالصات شكلية ووهمية وهم على رأس عملهم تحت الضغط من قبل المشغل، الذي يتعاون بدوره مع محام منزوع الضمير، مشيراً إلى أن الاتحاد يتابع قضايا العمال باستمرار، وفي مثل تلك الحالات، يتم الاتصال بالمشغل والضغط عليه من أجل الحفاظ على حقوق العاملين، وفي حال عدم الاستجابة، يتم التوجه للقضاء، كما أن هناك بعض القضايا يتم حلها في شكل ودي، وأخرى من خلال المحاكم المتخصصة.

وزارة العمل تؤكد على جميع الشركات وأصحاب العمل ضرورة التزام ما جاء في قانون العمل الفلسطيني، خصوصاً فيما يتعلق بالمادة (45) من القانون المتعلقة بحقوق مكافأة نهاية الخدمة، لكن بعض أصحاب العمل لا يلتزمون القانون، متذرعين بالأوضاع الاقتصادية الصعبة بحجة أنها تفوق قدرتهم على دفع مكافأة نهاية الخدمة، حسب ما يشير إليه د. شادي حلس مدير وحدة علاقات العمل في وزارة العمل في غزة، مضيفاً أن وزارة العمل تقوم بدورها في الرقابة على شروط وظروف العمل وفقاً لما نص عليه قانون العمل.

وفي هذا الإطار، أشار حلس إلى أن الوحدة استقبلت خلال النصف الأول من العام الجاري 754 شكوى عمالية تتعلق بمكافأة نهاية الخدمة والحقوق المترتبة على إنهاء علاقة العمل، حيث تم إنجاز 314 شكوى منها، فيما يجري العمل على إنجاز الشكاوى المتبقية، حيث بلغ إجمالي الحقوق المالية التي استلمها العمال بموجب هذه المخالصات العمالية خلال الفترة نفسها ما يزيد على مليوني شيقل، كما تم عمل احتساب استمارات حقوق عمالية لـ 182عاملاً، وتقديم مئات الاستشارات القانونية لعمال وأصحاب عمل، حيث تم إعطاؤهم الرد القانوني حول قضايا متعلقة بشروط وظروف العمل وحقوق العمال.

العامل (س)، حاول صاحب العمل مساومته على استمراره في العمل لدى شركته مقابل تنازله عن جزء كبير من حقوقه المالية في مكافأة نهاية الخدمة، حيث ذهب معه إلى كاتب العدل للتوقيع على مخالصة مالية مقابل تسليمه مبلغاً مالياً بسيطاً لا يعادل سوى ثلث حقوقه المالية، أي قرابة 2000 شيقل، لكن بعد التوقيع على المخالصة وتقدم العامل بشكوى (متأخرة)، أصبح التعامل مع تلك الشكوى صعباً، كون العقد موقعاً من جهة رسمية.

وحال هذا العامل واحدة من حالات عدة تم توثيقها حسب المحامي علي الجرجاوي ضمن الشكاوى التي وصلت إلى مركز الديمقراطية وحقوق العاملين مؤخراً.

ويقدر الجرجاوي عدد الشكاوى التي يستقبلها المركز سنوياً بخصوص مكافأة نهاية الخدمة، بحوالي 20 من بين كل 100 عامل، في الغالب تكون شكاواهم حول توقيعهم على عقود مخالفة لما جاء في قانون العمل وتنتقص من حقوقهم.

الجرجاوي قال إنه قبل عدة أيام من مقابلتنا معه، التقى أربعة عمال كانوا تقدموا للمركز بشكوى على صاحب العمل بسبب رفضه منحهم حقوقهم في نهاية الخدمة.

وخلال زيارة قام بها معد التحقيق إلى خمسة أماكن عمل مختلفة (محال تجارية وورش وشركات) في مدينة غزة، لاحظ أثناء حديثه مع العمال أن معظمهم يعملون من دون عقود عمل.

ثلاثة عمال من أفراد المجموعة يعملون من دون عقد عمل في (محال تجارية وورش)، بينما عاملان منهم يعملان بعقد موقت مدته عام في شركات خاصة.

المكافأة ضرورة

المحامي معن الأطرش

المستشار القانوني معن الأطرش يشير إلى أن قانون العمل منح العامل حقه في الحصول على مكافأة نهاية الخدمة، حيث أقرها القانون للعامل كقيمة مادية، كي تكون عوناً له وتعويضاً عن فترة عمله، إلى أن يتمكن من إيجاد فرصة عمل أخرى بعد انتهاء عقد عمله.

وأضاف الأطرش أن قانون العمل يعتبر قيام بعض أصحاب العمل باتباع أساليب ملتوية للتهرب من هذا الاستحقاق مستغلين حاجة العمال الملحة للعمل والضغط عليهم للتنازل عن حقوقهم؛ إجراءات باطلة، لأنها تؤدي إلى ضياع حقوق العمال.

وفي سبيل ذلك، نص القانون على إعفاء القضايا العمالية من الرسوم الحكومية للتسهيل عليهم وحمايتهم من الفصل التعسفي، وحفظ حقوقهم، المالية، والعمالية.

الفصل التعسفي قانوناً

وفقا للمادة (42) من قانون العمل، يستحق  العامل في حال استقال من عمله خلال السنوات الخمس الأولى ثلث مكافأة نهاية الخدمة، وثلثيها في حال كانت الاستقالة خلال السنوات الخمس التالية، وكاملة في حال أمضى عشر سنوات فأكثر في العمل.

كما تنص المادة (47) من القانون ذاته على أنه ومع احتفاظ العامل بحقوقه القانونية الأخرى كافة، يستحق العامل تعويضاً عن فصله تعسفاً مقداره أجر شهرين عن كل سنة قضاها في العمل، على ألا يتجاوز التعويض أجره عن مدة سنتين.

وتشير المادة (48) إلى أنه تحتسب مكافأة نهاية الخدمة وتعويض الفصل التعسفي للعامل بالقطعة أو بالعمولة على أساس متوسط أجره الشهري في مدة السنة الأخيرة.

تذرع بالأوضاع الاقتصادية

وحول الأسباب التي تدفع بعض أصحاب العمل إلى عدم الالتزام بدفع مكافأة نهاية الخدمة، والتهرب من حقوق العاملين لديهم، يشير أبو سامي صاحب محل تجاري في مدينة غزة إلى أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع القدرة الشرائية لدى كثير من المواطنين، وعدم ثبات حركة الأسواق وتذبذبها، إضافة إلى التكاليف العالية التي يتحملها صاحب العمل مثل "الإيجار، والنفقات التشغيلية، وأجور العاملين، ونفقات الكهرباء، والمياه"، جميعها أسباب تدفع برأيه كثيراً من أصحاب العمل، خصوصاً الشركات الصغيرة، والناشئة، إلى عدم التزام دفعها، والاكتفاء بدفع أجور العاملين لديهم.

وأوضح أبو سامي أن الأمر يرتبط بتحسن الأوضاع الاقتصادية، واستقرار حركة الأسواق والحركة التجارية، حينها يمكن برأيه التزام أكبر من الشركات والمشغلين بحقوق العاملين لديهم، وتحسين أوضاعهم، وأجورهم.

 

أسباب غير مقنعة

ويشير الجرجاوي إلى أن انخفاض نسبة الأجور، وعدم التزام معظم الشركات الخاصة وأصحاب العمل بالحد الأدنى للأجور يجعلهم في موقف حرج مع العاملين لديهم، والنقابات، والمؤسسات المهتمة بشؤون العمال، حيث إن كثيراً من العمال يتلقون أجوراً متدنية جداً.

كما يلجأ بعض أصحاب العمل إلى خفض نسبة الأجر الشهري للعامل خلال الأشهر الأخيرة من عمله، للتهرب من حقوق العمال، مستغلين البند الخاص في قانون العمل الفلسطيني، الذي ينص على أن تحتسب قيمة مكافأة نهاية الخدمة على أساس آخر أجر شهري تقاضاه العامل.

 

الحد الأدنى للأجور

وفقاً لقرار مجلس الوزراء الفلسطيني رقم (11) لسنة 2012 في شأن اعتماد الحد الأدنى للأجور في جميع مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، يكون الحد الأدنى للأجر الشهري في جميع مناطق السلطة، وفي جميع القطاعات مبلغاً قدره (1450 شيقلاً).

بينما يكون الحد الأدنى لأجور عمال المياومة، خاصة العاملين في شكل يومي غير منتظم، إضافة إلى العمال الموسميين مبلغاً قدره (65 شيقلاً)، على أن يكون الحد الأدنى لأجر ساعة العمل الواحدة للعمال المشمولين في الفقرة السابقة مبلغاً قدره (8 شواقل ونصف الشيقل).

http://muqtafi.birzeit.edu/pg/getleg.asp?id=16472

 

لا يوجد التزام

وحسب نتائج مسح القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني خلال حزيران 2020، بلغت نسبة المستخدمين بأجر في القطاع الخاص الذين يتقاضون أجراً شهرياً أقل من الحد الأدنى للأجور في قطاع غزة 82 في المئة، حيث بلغت نسبة الحد الأدنى للأجر في قطاع غزة 647 شيقلاً.

كما تشير النتائج إلى أن حوالي نصف المستخدمين بأجر في القطاع الخاص يعملون من دون عقد عمل، بواقع 46 في المئة من المستخدمين بأجر في القطاع الخاص يعملون من دون عقد عمل، و37 في المئة منهم يحصلون على مساهمة في تمويل التقاعد (مكافأة نهاية الخدمة).

 

تقرير العمل                                                

يفيد التقرير السنوي الصادر عن وزارة العمل الفلسطينية في قطاع غزة عن عام 2019، بتلقي الوزارة 2694 شكوى عمالية واستشارة (تعامل مع شكاوى نزاعات عمالية، تقديم استشارات عمالية).

كما يشير التقرير إلى إنجاز 550 مخالصة عمالية، واحتساب استمارة عمالية بقيمة (4,427,269) شيقلاً لصالح العديد من العمال.

https://mol.ps/mol/2020/01/22/6598742233/

وشهد الاقتصاد الفلسطيني خلال الفترة الأخيرة تراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي، خصوصاً في أعقاب إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، وتأثيرات جائحة كورونا.

ويفيد تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عام 2020 شهد تراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12 في المئة مقارنة مع عام 2019.

فمع بداية التأثر بجائحة كورونا، التي ألقت بظلالها خلال الربع الأول من عام 2020، شهد الاقتصاد الفلسطيني تراجعاً نسبته 4 في المئة مقارنة مع الربع المناظر له عام  2019، ليزداد التراجع في ظل اشتداد الجائحة، التي على أثرها فُرضت مجموعة من الإجراءات ضمن حالة الطوارئ، حيث شهدت فلسطين إغلاقاً جزئياً وشاملاً على فترات متقطعة، للحد من تفشي الوباء.

كما انخفض إجمالي عدد العاملين في سوق العمل من 951 ألف عامل عام 2019 إلى 884 ألفا عام 2020، وارتفع معدل البطالة من 26.3 في المئة إلى 27.8 في المئة، نتيجة تداعيات الجائحة على مفاصل الاقتصاد الكلي.

 

حلول وتوصيات

وحول الحلول المقترحة لهذه المشكلة، يدعو أبو زعيتر إلى فتح حوار بين العمال واتحادات أصحاب العمل، ووزارة العمل، والنقابات، لمعالجة هذه المشكلة التي تؤثر على العمال.

كما يجب أن تعمل وزارة العمل على مراقبة ومتابعة تنفيذ القانون، وأن تكون هناك إجراءات رادعة للمستغلين لحقوق العمال، مع أهمية العمل على إنشاء محاكم عمالية متخصصة للبت في قضايا العمال والإشكالات في علاقات العمل المختلفة.

ودعا أبو زعيتر النقابات إلى القيام بحملة مستمرة لمكافحة هذه المشكلة وتوعية العمال بحقوقهم العمالية.

بينما يشير الأطرش إلى أهمية العمل على إيجاد فرص عمل مستدامة، وإنشاء صناديق ادخار، ووضع خطط تقاعدية يستفيد منها العامل لضمان شيخوخة آمنة، وإلزام أصحاب العمل بالحفاظ على حقوق العمال وفق القانون، وعدم تسريحهم من دون أسباب موجبة لذلك، والعمل على إنشاء مؤسسات وطنية تعمل على استيعاب العمال أصحاب المهارات العالية، وتأمين معيشة كريمة لهم بشتى الطرق، وتفعيل إلزامية ومراقبة تنفيذ قرار الحد الأدنى للأجور، في ظل وجود عمال يعملون بأقل من نصف الحد الأدنى للأجور.

 

*  أعد هذا التحقيق الاستقصائي ضمن برنامج لمركز تطوير الإعلام لتدريب في الصحافة الاستقصائية بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية


Developed by MONGID DESIGNS all rights reserved for Array © 2021