English

مدارس وزارة المعارف التابعة لبلدية الاحتلال .. الدجاجة التي تبيض ذهباً


2021-10-02

أسماء هريش*

"بلدية الاحتلال في القدس المحتلة تغلق مدارس دار المعرفة منذ بداية العام الدراسي، لتحرم 4000 طالب من مواصلة مسيرة العلم والمعرفة". بهذا الخبر الصحفي المقتبس من الوكالات الإخبارية الفلسطينية، تداول كثيرون خبر إغلاق أكبر مدارس وزارة المعارف الإسرائيلية وأعرقها. وورد في الخبر أنّ بلدية الاحتلال هي فقط وراء هذا الإغلاق، لكنّ الحقيقة مختلفة!

أنشئت مدرسة دار المعرفة عام 2006 في منطقة كفر عقب شمال مدينة القدس، تحت إدارة وزارة المعارف الإسرائيلية، التي يتراوح عدد المدارس التابعة لها حوالي 74 مدرسة حسب إحصاءات قسم التخطيط لمديرية التربية والتعليم/ وحدة القدس بين عامي 2018/2019، وحوالي 70-80% منها يعمل بنظام "المقاولات" أو المشغلين، حيث تعين بلدية الاحتلال مشغلاً أو "مقاولاً" يحمل الهوية المقدسية يقوم بتشغيل وإدارة المدرسة، فيما توفر البلدية ووزارة المعارف كافة المصاريف التشغيلية وتدفع عن كل طالب للمشغل ما يقارب 500-1500 شيقل بناء على معايير تحددها. ويتم توفير المناهج الفلسطينية مجاناً من وزارة التربية والتعليم الفلسطينية لضمان تدريس المناهج الفلسطينية في مدارس وزارة المعارف رغم القيود والرقابة التي تفرضها بلدية الاحتلال على محتوى المناهج وحذف كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

"معارف" الاحتلال وصفت دار المعرفة بأنها "المدرسة الأكبر في البلاد"، مقسمة إلى أربع بنايات استأجرها المشغلون الثلاثة، وهم: خالد دويك، وسميح أبو رميلة، وفواز التميمي، واقتسموا إدارتها ما بين مسؤول تربوي وإداري ومالي، اثنتنان منها تضم الصفوف من الصف الأول إلى الصف السادس، واثنتان من الصف السابع إلى الصف الثاني عشر، للذكور والإناث، بالإضافة إلى رياض الأطفال، لتضم قرابة 4000 طالب وطالبة و400 معلم ومعلمة ما بين حملة هوية الضفة وهوية القدس.

رغم أنّها مدارس وزارة معارف إسرائيلية، إلاّ أنه من اللافت أقلية المعلمين حملة الهوية المقدسية وكثرة المعلمين حملة هوية الضفة، ويعزى ذلك لارتفاع البطالة وندرة فرص التوظيف وتدني أجر المعلم في القطاع الحكومي، فيتجهون للعمل في هذه المدارس التي من المفترض أن يبدأ فيها راتب المعلم، حسب وزارة المعارف، بـ 5300 شيقل، إلاّ أن المشغلين يستغلون هذه الظروف لصالحهم ويقتطعون نصف أو أكثر من راتب المعلم الشهري لصالحها، ما أدّى إلى إغلاق المدرسة سنة 2019.

 

السنوات الماسية

"بعد ثلاث سنوات، صار راتبي 3500 شيقل، وحكالي المشغل فعليا راح ينزلك على حسابك البنكي 7000 شيكل بترجعيلي نصهم، بس ربنا عوضني بالسنتين اللي استلم فيهم الوصي إدارة المدرسة! كانت سنوات ماسية بالنسبة إلي أنا وعائلتي".. بهذه الكلمات أظهرت معلمة -فضلّت عدم ذكر اسمها، وسنعطيها اسم "لمار"- خلال سنوات عملها الثماني في مدرسة دار المعرفة الفرق بين إدارة المدرسة من قبل "المشغل"، وبين إدارتها من قبل "الوصي".

في عام 2012، بعد تخرجها من الجامعة، بدأت العمل في مدرسة دار المعرفة الذي اعتبرته حلماً لها وفرصة لا تعوض، خاصة أنها مدرسة عريقة، وهي تحمل هوية الضفة وخريجة جديدة، وسوف تتقاضى راتباً جيداً جداً بالنسبة لرواتب معلمي الحكومة الفلسطينية، فوافقت على العمل ضمن اتفاق شفوي مع المشغل على راتب قدره 2300 شيقل. وبعد ذلك، في عام 2015، أنهت درجة الماجستير، وتمّت زيادة عدد الحصص الخاصة بها ومهامها كمناوبة ومسؤولة عن أنشطة المدرسة، فطالبت برفع راتبها إلى 3500 شيقل، وتم ذلك.

تقول لمار: "خلال بداية سنوات عملي، لم أكن أعلم بصراحة حقوقي كمعلمة، فبدأت أسمع شكاوى من زملائي المعلمين القدامى عن استغلال المشغلين لهم وحرمانهم من حقوقهم، فقام عدد من المعلمين برفع تلك الشكاوى إلى وزارة المعارف بأنه يتم اختلاس وسرقة أموالهم وعدد من قضايا الفساد الإدارية، فأقرت الوزارة بأن يتم تحويل راتب كل معلم إلى حساباته البنكية، وليس كما كان مسبقاً، أي يتقاضاه مباشرة من المشغل".

وافق المشغلون على قرار الوزارة ظاهرياً، لكن بعد ذلك، طُلب من كل معلم بعد تحويل راتبه الفعلي الذي فرضته وزارة المعارف أن يقوم بسحب نصف المبلغ من حسابه وإعادته للمشغل!

تقتبس لمار على لسان المشغل السيد أبو رميلة عندما أخبرها: "راتبك 3500 شيقل، راح ينزلك على حسابك البنكي 7000 شيقل، بترجعيلي نصهم"، وهذا حالي وحال الزملاء في نهاية كل شهر، نذهب للبنك ونعيد المبلغ المسروق منا للمشغل تحاشياً لتنفيذ ما كان يتم ابتزازنا به بتسريحنا وفصلنا من العمل!

واستمر الحال لعدة سنوات حتى قام عدد من المعلمين باعادة رفع الشكاوى إلى وزارة المعارف ومحاكم بلدية الاحتلال بتهم الفساد الإداري والمالي على المشغلين من خلال إثباتهم بأنه يتم استفزازهم بوظيفتهم وإرجاع نصف المبلغ من رواتبهم وسرقة حقوقهم، فأوقفت وزارة المعارف المشغلين عن العمل، وبالتالي وقف عمل المدرسة!

في أيلول 2017، لم يستطع الطلبة بدء فصلهم الدراسي، بسبب إغلاق المدرسة من قبل وزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية الاحتلال حتى صدور قرار المحكمة المركزية الإسرائيلية في تعيين مشغل جديد "وصي" من قبل وزارة المعارف لمدة عامين، وهو محامٍ قانوني توكل إليه مهمة إدارة المدرسة ومتابعة شؤونها حتى يصل إلى مرحلة التفكيك.

عمل الوصي منذ توليه إدارة المدرسة على توقيع عقود مكتوبة مع المعلمين، وإعادة الراتب الشهري الأصلي إلى كل معلم دون اقتطاع أي جزء منه، بالاضافة إلى منحهم أبسط حقوقهم منها، كما ذكرت لمار: "دفع مبلغ 50 شيقل بدل حصة معلم غائب، وإجازة 28 يوماً للمعلم، وصندوق لكل معلم (سرقه المشغل السابق بتوقيع المعلمين على أوراق للتنازل)، وزيادة سنوية وسفر أو رحل مدرسية، أو يتم الحصول على بدل قيمتها، وأتعاب الموظفين".

لذلك، وصفت لمار هاتين السنتين اللتين استلم فيهما الوصي إدارة المدرسة بقولها: "كانت فترة ماسية بعد تلك السنوات القاحلة، فاستطعت خلالها شراء سيارة ومنزل أنا وزوجي، إذ أصبح راتبي الشهري 7000 شيقل، وحصلت على العديد من المزايا، فلو استمر هذا الحال، لاستطعت شراء مجوهرات من الألماس"، لكن انتهت إدارة الوصي في نهاية عام 2018، وفي السنة الدراسية عام 2019، تم إغلاق المدرسة وتشريد 4000 طالب وطالبة واستئجار المباني بمبلغ أكبر من قبل مشغلين جدد، ما أدى إلى نهاية عهد الوصي ونهاية اسم دار المعرفة لتصبح مدرسة "رواد العلم".

الأستاذ عماد أبو عواد بدأ العمل بالمدرسة عام 2011 كمدرس للتاريخ والجغرافيا والقضايا لمرحلة الثانوية العامة حتى عام 2017، وخلال تلك السنوات، ترأس رئاسة لجنة المعلمين لمدارس دار المعرفة، فكان عليه متابعة قضايا المعلمين وسماع شكاواهم والمطالبة بحلها مع مشغلي المدرسة.

أكدّ الأستاذ أبو عواد ما ذكرناه أعلاه، من أن المشغلين الثلاثة يتقاسمون إدارة المدرسة، بقوله: "يوجد داخل المدرسة مدرسة اسمها "الفجر الجديد" تابعة لخالد دويك، ومدرستان أخريان تابعتان لفواز التميمي وسميح أبو رميلة، وأنا عملت في مدرسة دويك، وفي 2012، ترأست لجنة المعلمين من أجل تحسين ظروف المعلمين، فقمنا بتوقيع اتفاقيات عمل جيدة معه لصالح عدد من المعلمين في مدرسته، حققنا فيها رواتب عالية لمعظم المعلمين بناء على ما جدارة ما يستحقونه".

أظهرت تلك العقود السابقة الفجوة بين المعلمين التابعين للدويك وبين المعلمين التابعين للتميمي وأبو رميلة، بما يقارب 1000-2000 شيقل زيادة لصالح المعلم الذي يعمل عند دويك. ومن هنا بدأت قضايا الفساد ترفع على المدرسة، كون هذه المدارس تابعة للمعارف، وهي مؤسسة غير ربحية بالأساس، فكيف تقوم باقتطاع نصف وأكثر من راتب المعلم، بالإضافة إلى أنه لم يكن فيها نظام إداري متكافئ لاحتساب رواتب المعلمين. يقول الأستاذ أبو عواد: "كل واحد وشطارته ونجاح علاقته مع المشغل ووعيه بمعرفة حقوقه والمطالبة بها".

يوماً بعد يوم، بدأت تبرز قضايا الفساد وبدأت الشكاوى سنة 2013 ترفع إلى وزارة المعارف، فحاول دويك الحديث مع شركائه المشغلين بعد ضغط لجنة المعلمين عليه من أجل توحيد المدارس في قضية الرواتب، لكن بلا استجابة، ورفض الشركاء هذا الطلب.

بناء على الشكاوى المقدمة لوزارة المعارف، تم تجميد رواتب المعلمين ووقف دفعها للمشغلين سنة 2014 لما يقارب خمسة أشهر، اضطرّ فيها المشغلون لدفع الرواتب منهم لكي لا يظهروا الأزمة أمام المعلمين والطلبة، وهو ربما ما لم يعلمه المعلمون حينها، حسب إفادة أبو عواد.

وفي ذات السنة، حُلت المسألة، ففرضت وزارة المعارف على المشغلين أن يتم تحويل رواتب المعلمين إلى حساباتهم البنكية، لكن مع ذلك، كان المعلم يسحب نصف راتبه ويعيده إلى المشغل!

عادت المشاكل بشكل مكثف للظهور في 2016، وتم توسيع لجنة المعليمن وانتخاب لجنة عامة يرأسها الأستاذ أبو عواد، فبدأوا العمل مع المدرسة لتحسين الأوضاع مع المشغلين. يقول الأستاذ أبو عواد: "للأسف، جاءت استجابة المشغلين متأخرة بعد قرار وزارة المعارف تفكيك المدرسة".

في عام 2017، أعيد فتح أبواب مدرسة دار المعرفة بإدارة "الوصي" الذي عينته وزارة المعارف، بعد أزمة تأخر بدء الفصل الدراسي، وحسب شهادة الأستاذ أبو عواد، يقول: "رغم اختلافي ورفضي التعامل معه لإختراقه اللجنة من خلال شخص يتعاون معه لا أريد التصريح باسمه، إلاّ أنه عمل على إعادة جزء من المعلمين ورفع رواتبهم وحصولهم على كافة حقوقهم المسلوبة منهم في عهد المشغلين".

أخذت قضايا الفساد مجراها في محاكم الاحتلال، ورفعت القضايا على المدرسة ومشغليها، وحصل المعلمون على أموالهم من رصيد المدرسة الذي جمدته وزارة المعارف، فبعض المعلمين حصل على تعويض يتراوح ما بين 70000-200000، والبعض لا تزال قضيته حتى اليوم في المحاكم محاولاً إثبات عمله، لأنه لا توجد عقود موثقة بينه وبين المشغل الذي حرص على عدم توقيعها لكي لا يستطيع المعلم إثبات عمله.

ويعزو الأستاذ أبو عواد سبب نهاية مدرسة دار المعرفة إلى عدة أسباب، منها الرغبة في الربح العالي للمشغلين وعدم اكتفائهم بالربح القليل، بالإضافة إلى لوم وتحميل المعلمين جزءاً من المسؤولية عن صمتهم وقلة وعيهم بحقوقهم. ويضيف أن قضية مدرسة دار المعرفة واحدة من العديد من مدارس وزارة المعارف التي تعاني نفس المشاكل والفساد، لكن ربما لصغر حجمها، لم يتم الحديث عنها حتى اليوم.

 

موقف وزارة التربية والتعليم

أكدت مدير عام وحدة القدس في وزارة التربية والتعليم ديما السمان أن المدارس الخاصة هي التي تواجه صعوبة معها، تحديداً تلك التابعة لوزارة المعارف ويمتلكها عدد من المشغلين، سمتها "مدارس المقاولات"، ويكون هدفها مادياً وتجارياً لأصحابها، ولا يهتمون بجودة التعليم، بالإضافة إلى أنه يتم استغلالها من بلدية الاحتلال بوضعها شروطاً تقيد هذا المقاول ويلتزم بها، لضمان الدفع له عن كل طالب مسجل بالمدرسة.

وحسب السمّان، فإن المشكلة الأكبر أنّ سياسة الاحتلال تهدف إلى خلق مشاكل بين المشغل والمعلم لتتاح له فرصة فرض "وصي" من وزارة المعارف ليقوم بإدارة المدارس وتكون فرصة لهم بإلغاء المناهج الفلسطينية وإدخال المناهج الإسرائيلية، وذلك من خلال "ترك الحبل" للمشغل بالاختلاس وسرقة أموال المعلمين، حتى تتراكم عليه الديون، وبالتالي، تتم مطالبتهم بإعادة الأموال للمعلمين، وتبدأ البلدية بذريعة الفساد وتراكم الديون بإحضار الوصي تحت إشرافها وإدارتها.

وحول موقف وزارة التربية والتعليم من إغلاق مدرسة دار المعرفة، قالت السمان إن تدخلنا الوحيد في مدارس وزارة المعارف كوزارة هو الإشراف التربوي على تدريس المناهج وانتظامها، ومع ذلك، في حادثة قضية إغلاق مدرسة دار المعرفة من قبل بلدية الاحتلال، قمنا بفتح مدارسنا وبعض المدارس الخاصة وتوزيع الطلاب عليها حتى لا يتم ضياع الفصل الدراسي عنهم، لأن هدف الوزارة ومحور العملية التعليمية هو الطالب، ولا نرضى أن يكون ضحية للمشغلين وبلدية الاحتلال وسياستها.

أمّا عن رسالة الوزارة إلى المعلمين والمشغلين، تقول: صحيح أن الوضع الاقتصادي صعب وفرص العمل قليلة، لكن أدعو المعلمين ألا يساهموا في مساعدة تفشي انتشار الفساد وجعلكم ضحايا في المستقبل، فعليكم من البداية العمل على مطالبتكم بعقود واضحة تحفظ حقوقكم وكرامتكم وتكاتف الجهود، سواء معلم يحمل هوية ضفة أو هوية قدس، فكلكم تقدمون رسالة سامية هدفها أولاً وأخيراً مصلحة الطالب. بينما دعت المشغلين إلى إعطاء المعلمين حقوقهم لضمان استمرارية عملهم، وبالتالي ضمان إدارتهم للمدرسة حتى لا يتم سحب إدارتهم من قبل بلدية الاحتلال، ويكون ذلك ذريعة لها بتعيين "الوصي" من إدارتها، ومن ثم يعمل على إلغاء المناهج الفلسطينية وتدريس المناهج الإسرائيلية.

 

التعامل مع شكاوى استقطاع الأموال

يقول الأستاذ رسلان أبو ريحان، مدير مديرية عمل محافظة القدس، إنّ المعلمين حملة هوية الضفة لا يوجد ما يغطيهم أو يدعمهم في قانون العمل الفلسطيني لاسترداد أموالهم، ويعزى ذلك كون المنشأة تقع في منطقة تابعة للاحتلال، بحيث لا توجد صلاحية لوزارة العمل في الرقابة والتفتيش على المنشآت التعليمية في الأراضي الفلسطينية التابعة لبلدية الاحتلال، ولأنّه لا يوجد قانون عمل إسرائيلي بل اتفاقيات عمل إسرائيلية، فعليهم، كما حال المعلمين هوية القدس، التوجه إلى محاكم الاحتلال في مدينة القدس، ورفع قضية استرداد أموال من قبل محامين أيضاً من الداخل المحتل لضمان استرداد حقوقهم.

وفي زيارة لمركز الديمقراطية وحقوق العاملين في رام الله، أخبرتنا الوحدة القانونية عن توجه العديد من المعملين إلى المركز والتعامل مع عدد كبير من هذه الفئة والقضايا وتوجيههم إلى الطرق القانونية لاسترداد حقوقهم بربطهم بمحامين في الداخل المحتل وزيادة وعيهم بحقوقهم وطرق إثبات عملهم في المدرسة.

وهذا ما أكدّه المحامي الأستاذ كاسترو داوود اختصاصي قضايا عمالية في الداخل المحتل، الذي استطاع كسب قضية موكلته التي تحمل هوية الضفة بحصولها على أموالها المستقطعة من راتبها الأصلي، بالإضافة إلى حقوق نهاية الخدمة والنقاهة وبدل الإجازات، عن طريق التأمين الوطني، ويوضح أنّه في اتفاقيات العمل الإسرائيلي، يتم كسب الأموال من شركات التأمين للمؤسسة التي يتم إغلاقها وإعلان إفلاسها. وهذا حالها وحال العديد من المعلمين الذين استطاعوا إثبات عملهم وتسجيلهم في وزارة المعارف، وبالتالي تعويضهم عما تمّ استقطاعه من أجورهم.

 

ضحايا بين الصمت والفصل من العمل

أمّا حملة الهوية المقدسية، فلم يسلموا أيضاً من الانتهاكات واختلاس أموالهم. المعلمة المقدسية -رفضت الكشف عن هويتها أيضاً، واستخدمنا اسم "هيام" كاسم مستعار- تخرجت في جامعة القدس أبو ديس، ووزارة المعارف الإسرائيلية لا تعترف بشهادة هذه الجامعة من منطلقات سياسية لها علاقة باسم الجامعة، وأيضاً من منطلقات تزعم أنها مهنية، ولكي تستطيع العمل في مدارس وزارة المعارف، كان عليها تصديق شهادتها للحصول على شهادة "المعلم المؤهل" عن طريق الاستكمال في جامعة أو كلية تابعة لحكومة "الاحتلال" مثل سخنين والقاسمي، ومدة الدراسة قرابة سنة، إذا كانت في نفس التخصص، وقرابة ثلاث سنوات في حال اختارت تخصصاً جديداً.

تقول هيام: "من شروط الاستكمال أن يكون لديك ثلاث سنوات خبرة، وكوني خريجة جديدة، اخترت العمل في مدرسة دار المعرفة لأنها مدرسة خاصة تابعة للوزارة، أي أنها ذات نظام خاص ومعاش خاص، ويكون اسمي مسجلاً في وزارة المعارف، وفي ذات الوقت أستطيع الاستكمال والتدريس".

بدأت هيام العمل عام 2011 في المدرسة، ومنذ البداية، كانت من المعلمين المسجلين رسمياً في وزارة المعارف. تقول: "معظم الاتفاقات كانت تتم شفوياً بين المعلم والمشغل، حتى عام 2013، عندما بدأت الأزمة تظهر، أصبح يُطلب منا التوقيع على مخالصات مالية وعقود في محاولة من قبل المشغلين حماية أنفسهم بالقانون، لكن العديد كان يرفض ذلك".

"القانون لا يحمي المغفلين والصامتين"، تعترف هيام، وتضيف: "كنت أقوم بارجاع نصف راتبي في نهاية كل شهر للمشغل بموافقتي المسبقة ضمن اتفاق شفوي بيننا، فبسبب حاجتي لشهادة الخبرة وشهادة المعلم المؤهل، كنت صامتة عن هذا الوضع وراضية، فنحن للأسف كنّا جزءاً من هذا الفساد".

وتتابع: "بعد نهاية الاستكمال، بقيت لعدة سنوات على نفس الراتب، رغم أني كنت مركزة أنشطة وأعطي 32 حصة، ويحق لي زيادة ما يقارب 6% على الراتب، وكلما طالبت بها، كان يرفض المشغل بحجة أنّه لا يوجد معي ترخيص شهادة المعلم المؤهل. وبسبب تكلفة دراسة الاستكمال العالية، كانت وزارة المعارف توفر فرصة الحصول على استرداد جزء من تكاليف الدراسة المقدر بحوالي 75% من المبلغ الكلي، وأيضاً كان المشغل يرفضها بتقديم تبريرات ساذجة".

تكمل هيام: "صدمتي الكبرى عندما اكتشفت أنه تمّ استرجاع مبلغ دراستي الاستكمال ولم أحصل عليه"!. وبعد حصولها على شهادة المعلم المؤهل وتفعيل حسابها في وزارة المعارف، أصبحت تأخذ ما تسمى "تلوش"، وهي عبارة عن قسيمة يتم الحصول عليها نهاية الشهر، تظهر فيها الضرائب وقسيمة الراتب والتأمين. بعد البحث والتدقيق، تبينّ لها أنه تمّ استخدام بياناتها الشخصية وبريد إلكتروني لأحد المشغلين ورقم هاتف شخص آخر وتفعيل حساب لها في وزارة المعارف تقوم على إثرها الوزارة بتحويل الأموال للحساب.

واكبت هيام الأزمات التي ذكرناها أعلاه لمدرسة دار المعرفة حتى استلام "الوصي" لإدارة المدرسة. تقول: "في عهد الوصي، تمّ التعامل مع المعلمين بعقود واضحة جديدة بناء على شهادة وخبرات المعلمين وتوفير كامل حقوقهم المادية التي كانت مسلوبة منهم، لكن تحويل الأموال كان يتم عن طريق شيكات، بالإضافة إلى أنه لم يعد جميع المعلمين، وكنت أنا واحدة منهم، وهنا كانت نهايتي مع دار المعرفة".

أما عن القشة التي قسمت ظهر البعير، وأخرجت هيام عن صمتها لتبدأ المطالبة بتعويضها عن الأموال المستقطعة والامتيازات المتعلقة بوظيفتها، فهي عندما حصلت على شهادة المعلم المؤهل، استطاعت الحصول على ترخيص صف كامل باسمها، وبالتالي يحصل المشغل على مبلغ إضافي على اسمها يقارب 9000 شيقل، فطلبت من المشغل الموافقة على رفع راتبها إلى 4000 شيقل فقط، لتعيد له الباقي كما تفعل دائماً، لكنّه رفض. تقول: "أيّ ظلم هذا وأيّ قيمة لهذا المبلغ مقابل الأرباح الشهرية التي تقدر بـ100 ألف شيقل لكل مشغل؟!".

واستمراراً لاستغلال المعلمين واستفزازهم، تمّ حرمان عدد من المعلمات من الحصول على شهادة الخبرة مقابل تنازلهنّ عن قضاياهن في المحاكم وحقوقهن. تقول إحداهنّ بكل قهر وحزن: "عملت 4 سنوات في مدرسة دار المعرفة، وفي آخر ثلاثة أشهر، لم يتم دفع راتبي الشهري، وبدأت تتفاقم الأزمة، فقررت ترك المدرسة والعمل في مدارس السلطة الفلسطينية، وحصلت على الموافقة، وبقي استكمال إجراءات شكلية من بينها حصولي على شهادة الخبرة، فما كان من المشغل إلاّ قوله: "تحصلين على شهادة الخبرة مقابل تقديم تنازل عن أتعابك والتعويضات التي طلبتها". وبناء عليه، تأخرت في استلام الوظيفة في الحكومة، لكن تمسكت بحقوقي وأخذتها عن طريق المحاكم.

 

ردود المشغلين

خلال لقاءات المعلمين، أجمعوا في حديثهم على اختلاف أسلوب المشغلين في التعامل معهم وإدارة المدرسة رغم شراكتهم، خاصة خالد دويك، الذي، حسب شهادتهم، كان يحاول مع شركائه خلق نظام إداري موحد وتوفير حقوق المعلمين وتوحيد راتبهم. وعند سؤال دويك عن سبب هذا الاختلاف، أجاب: "بدأت في التعليم كمعلم بسيط، تدرجت من معلم إلى نائب مدير ثمّ إلى مدير، ليصبح بعدها هدفي فتح مدرسة خاصة بي، وهذا الفرق بيننا، فهدفهم ربحي استثماري، وهدفي خدماتي احتراماً لهذه المهنة التي أحمل فيها رسالة سامية أسعى لإيصالها وإتمامها على أكمل وجه".

أمّا فيما يتعلق بالعقود مع المعلمين ورواتبهم، يشير دويك إلى أنّه كان ذلك بموافقة المعلمين، سواء شفوية أو مكتوبة، وأنّ المشكلة لم تكن فقط مشكلة رواتب لمثل هذه المدرسة المميزة التي كانت تحصل على جوائز عالمية، "فهذه مدرسة كبيرة، وكان دور لوزارة المعارف بهذه المشاكل، لأنها تثير تخوفاتها من هذا التميز الذي حققته ومن أعداد طلابها الكبير ونجاحاتهم".

ويضيف دويك: "لا أخفي عليكم أنّه كانت هناك إخفاقات إدارية من قبل المشغلين، ما أدى إلى جعل المعلمين يرفعون قضايا، وهذا تسبب في أزمة كبيرة للمدرسة".

ويضيف: "كمشغلين، هناك اتفاق بيننا وبين وزارة المعارف، وعلينا الالتزام به حتى يتم السماح لنا بفتح المدرسة ودفعها أقساط الطلاب، فكان يتم دفع 70% من القسط من قبل الوزارة، وعلينا نحن توفير الـ30% من خلال جمع التبرعات، لكننا كنّا نقتطع هذه النسبة من الرواتب، فأصبح المعلم يطمع ويريد نسبة 100% رغم اتفاقنا المسبق معهم".

وفي آخر سنتين 2015-2017، تم تقسيم المدرسة إلى ثلاثة أقسام، وانفصلت عن الشركاء، كنت مسؤولاً عن واحدة منها تحت مسمّى مدرسة "الفجر الجديد"، عملت فيها على عقد اتفاقيات مع المعلمين وأعطيت فيها المعلمين حقوقهم، بدل نقاهة وملابس وتثبيت رواتبهم، بالمقابل، المشغلون الآخرون رفضوا إعطاءها لموظفيهم".

وينهي حديثه أنّ سبب إغلاق المدرسة، برأيه، يعود للوصي: "الوصي سبب خراب ديار مدرسة دار المعرفة، الذي لم يكن يعلم كيف يدير المدرسة، هو ومن معه من موظفين، ما تسبب بانتقال الطلاب منها وضعف التحصيل الأكاديمي لهم".

أمّا أبو رميلة، فيقول عن إغلاق المدرسة: "المدرسة أغلقت بحجة أنه يوجد عدم توازن مالي، علماً أنّه يوجد توازن مالي يكفي وبسبب عدم رضوخ المدرسة للمفتش، وعدم دفع مبلغ كبير له من أجل عدم تقديم شكوى قدمها بعض المعلمين غير الحريصين إلاّ على حصولهم على المال، ولا يمتون للتعليم بصلة، وعند رفع القضية، رفضت المدرسة دفع رشوة".

وعقب على رواتب المعلمين بقوله إن المدرسة اعتمدت جدول الوزارة في الدفع وبرنامج المحاسبة المعتمد من قبل الوزارة لدفع رواتب المعلمين، لكن المعلمين دائماً كانوا يريدون الحصول على مبالغ أكبر بكثير من المبالغ المستحقة لهم.

وتابع "أنّ المدارس الخاصة تتقاضى بدل تشغيل المدرسة ما يعادل 30% من التكلفة الحقيقية للمدارس، والمدرسة لم تكن تحصل على أقساط من الطلاب، وأنّ المعلم المؤهل حسب نظام الرواتب يختلف راتبه عن المعلم غير المؤهل، ولا يوجد أي معلم مؤهل ولديه رخصة تعليم يحمل الهوية الخضراء، لأنّ نظام التأهيل لا يشمل هؤلاء المعلمين، وحسب القانون، إذا كان المعلم غير مؤهل، فإنه لا يحصل على تقدم بالخبرة السنوية، لأن نظام الرواتب لا يشملهم حسب الاتفاق بين نقابة المعلمين والوزارة".

أما المشغل الثالث، التميمي، فلم نستطع التواصل معه وأخذ تعقيبه، وقال معلمون عملوا معه إنه غادر البلاد.

ختاماً، رغم إغلاق مدرسة دار المعرفة، إلاّ أنّ هذه القضية لم تنتهِ، ولا تزال مستمرة تحت غطاء أسماء مشغلين جدد لمدارس تحمل أسماء جديدة، مع معلمين يفضلون الاستمرار في الصمت مقابل ألا يخسروا وظيفتهم. وقد حاولت الحديث مع عدد منهم، إلا أنهم رفضوا ذلك، لكن استطعت أخذ اعتراف إحداهن عندما طلبت عمل لقاء معها رغم تأكيدي على سرية التحفظ على اسمها، إلاّ أنها قالت: "زوجي يرفض عمل المقابلة خوفاً من خسارة وظيفتي، فأنا عند وزارة المعارف يتم التقاضي على اسمي مبلغ 7000 شيقل، لكنني فعلياً أحصل على 2500 شيقل وأعيد المبلغ الباقي للمشغل".

لكن، "لماذا تقدم وزارة المعارف هذه الدجاجة للمشغلين؟"، الواضح أن هذا من سياسات الاحتلال المخفية الممنهجة التي تضمن فيها تشجيع المواطنين حملة الهوية المقدسية على الانتقال من القدس إلى كفر عقب وتوفير كافة الخدمات والمرافق للعدول عن التفكير في العيش في القدس.

 

* أعد هذا التحقيق الاستقصائي ضمن برنامج لمركز تطوير الإعلام لتدريب في الصحافة الاستقصائية بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية


Developed by MONGID DESIGNS all rights reserved for Array © 2021