English

الحوالات المالية في غزة: المواطن غالباً "خسران" والصرّاف دائماً "ربحان"


2021-09-27

انتصار أبو جهل*

يعاني المواطنون في قطاع غزة من أزمة استلام الحوالات المالية التي تصل إليهم من الخارج بالعملة نفسها، إذ يضطرون إلى استلامها مع تحمل هامش خسارة بعملة الشيقل، بحجة عدم توفر سيولة في العملة المحولة بها وهي إما الدينار الأردني أو الدولار الأميركي، لدى شركات الصرافة في غزة، التي تتذرع بعدم توفر سيولة في البنوك من تلك العملات.

وتخشى تلك الشركات تحمل الخسارة التي قد تتكبدها في حال لم تسلمها البنوك الحوالة بالعملة نفسها، لذا تسارع إلى تحميل المواطن هامش فرق سعر صرف العملات بين البنك والسوق، وهكذا تدور الدائرة بين خشية توفر سيولة وخشية البنك من الإفراج عن الدولار والدينار، ليتحمل المواطن نتيجة ضعف السياسات المالية وضعف دور الرقابة من قبل سلطة النقد الفلسطينية في قطاع غزة.

وقالت المواطنة هناء عدلي: "وصلتني حوالة مالية بعملة الدولار، وحين ذهبتُ إلى إحدى شركات الصرافة لصرفها، أخبرني أنه سيصرفها لي بالشيقل بدعوى عدم توفر دولار وأني سأتحمل فرق سعر العملة".

وتابعت: "حين غضبت وحاولت دحض هذه الحجة، بكل بساطة قال لي أمامك محلات الصرافة الأخرى، أنا أتعامل بهذه الطريقة".

وأضافت أنها اضطرت إلى استلام الحوالة المالية بقيمة الشيقل، ثم اضطرت إلى تحويلها إلى الدولار، من الشركة ذاتها، التي صرفت لها الحوالة، إذ إنها تجمع أموالاً بعملة الدولار لشراء سيارة خاصة بها، موضحةً أنه يتم التعامل في سوق السيارات بعملة الدولار لا الشيقل، ما يعني أنها خسرت مرتين من قيمة الحوالة بحجة عدم وجود دولار.

وتساءلت: "كيف يتحججون بعدم وجود دولار، ثم حين صرفت المبلغ كاملاً إلى دولار بعد أن استلمته بالشيقل، توفر لديهم الدولار".

وأكدت المواطنة هدى حسين من غزة، التي تعمل في مجال كتابة المحتوى والتصميم، أنها تضطر في كل مرة تستلم فيها الحوالة إلى تكبد خسارة مالية جراء عدم صرف شركات الصرافة الحوالة المالية، التي تستلمها من المؤسسات التي تعمل معها في تركيا ودول الخليج بالعملة نفسها.

وقالت: "أخسر في الحوالة البالغة 1000 دولار حوالي 50 شيقلاً، كما أخسر ما يماثلها حين أعيد صرفها إلى الدولار".

وبينت أنها تتكبد هذه الخسارة بشكل دوري نظراً لطبيعة عملها، متأملة أن تجد السلطات في غزة حلاً جذرياً لهذه المشكلة.

أما المواطنة صباح صفوت، فقصتها مختلفة نوعاً ما، فشقيقها الذي يقيم في دولة الإمارات يعلم ما تفعله شركات الصرافة في غزة من تلاعب وعدم تسليم الحوالة بالعملة نفسها بحجة عدم توفر الدولار، لذا قام بتحويل حوالته بقيمة الشيقل، إلا أنها واجهت المشكلة ذاتها، قائلة: "ذهبت إلى أكثر من محل صرافة وأخبرني أني سأضطر لدفع ما قيمته 10-15 شيقلاً لاستلام قيمة الحوالة بعملة الشيقل".

وتابعت: "في الأعياد، تكون البنوك مزدحمة ولا يفضل المواطن الذهاب إليها لصرف الحوالة، لذا يلجأ إلى صرفها من شركة صرافة".

وأشارت إلى أن الشركة التي صرفت لها الحوالة بعد أن أخبرتها أنها ستصرف لها الحوالة بقيمة الشيقل، تفاجأت في وسط العملية أن الشركة تخبرها أنه لا يوجد لديها حساب شيقل في البنك، وستضطر إلى تحويلها إلى دولار، ومن ثم ستسلمها بالشيقل، موضحة أنها لم تكن تملك خياراً سوى القبول.

وقالت: "أخبرني الموظف أني سأخسر نحو 10 شواقل بسبب الفرق بين سعر صرف الدولار والشيقل، علماً أن قيمة الحوالة كانت ألفي شيقل".

وأبدت استغرابها من ادعاء شركة صرافة عدم امتلاك حساب بعملة الشيقل، قائلة: "يبدو أنه لا مفر في غزة من التلاعب والاحتيال على المواطن كي تزيد تلك الشركات أرباحها على حسابه".

وشهدت "معدة التحقيق" مشكلة بين زبون وموظف في شركة صرافة، حين أخبر الموظف الزبون أن الشركة لا تمتلك دولاراً، وبعد مشاحنات وتدخلات من الزبائن الذين كانوا ينتظرون دورهم لاستلام حوالتهم، اضطر الموظف لصرف الحوالة بعملة الدولار للزبون، وخرج المواطن غاضباً يحدث نفسه: "هل من الضروري أن يصرخ ويتشاجر المواطن كي يحصل على حقه في هذه البلد!".

بالطبع لم يكمل الموظف صرف الحوالات المالية بعملة الدولار بعد ذهاب هذا المواطن، بل استكمل عمله بترديد الجملة التي يكررها موظفو شركات الصرافة في غزة: "لا يوجد دولار، سأصرف الحوالة لك بعملة الشيقل".

من جانبه، أكد أبو قصي العامل في أحد مكاتب الصرافة التي تقدم خدمات "موني جرام" في غزة أن الحوالات المالية القادمة لغزة تزداد في المناسبات والأعياد، نافياً أن يكون الأمر مرتبطاً بتردي الأوضاع الاقتصادية في القطاع، موضحاً أن معظم الحوالات المالية التي يستقبلها من الدول الأوروبية.

وقال: الحوالات الرسمية تتراوح ما بين 1 دولار إلى 7000 دولار وفق تعليمات سلطة النقد الفلسطينية".

وعن سبب عدم صرفه الحوالة المالية بالعملة نفسها المحول بها للعميل، خاصة إن كانت دولاراً أو ديناراً أردنياً، قال: "أنا أستلم القيمة المالية للحوالة التي أصرفها للعميل من البنك، ولا أعلم إن كان سيعطيني إياها بالعملة نفسها أم لا، خاصةً إن كان هناك نقص سيولة في عملة الدولار، لذلك أصرف الحوالة للعميل بالشيقل".

وأوضح أنه يبني توقعاته بناءً على استلامه حوالات سابقة من البنك، فإذا استلمها بالشيقل بدعوى أن البنك لا يملك سيولة من عملة دولار، فهو سيتجنب أن يسلمها للعميل بالدولار، كي يتجنب خسارة قد تلحق به.

ورداً عن سؤال لماذا على المواطن أن يتحمل هذه الخسارة، أجاب: "أنا لا أجبر الزبون على ذلك، فقبل أن أسحب الحوالة، أخبره إني سأعطيه إياها بعملة الشيقل".

قد يظن البعض أن الزبون بالفعل مخير في هذا، لكن إن علم أن جميع محلات الصرافة في غزة تنتهج هذه الطريقة، سيعلم أن لا خيار أمامه سوى أن يقبل بهذا الشرط، من دون تذمر أو شكوى، وتحمل فرق سعر الصرف بين العملات، أو أن يضطر للذهاب إلى البنوك التي تملك توكيلاً لشراكات الحوالات المالية.

المعيقات التي تواجهها محلات الصرافة في الحوالات تتمثل في اشتراط صلة القرابة الأولى في جميع الحوالات التي يتعامل بها، إذ لا يتم صرف الحوالات المالية الخاصة بالعمل أو الصداقات، خشية على "سمعة محله"، وخوفاً من أي ملاحقات أو تضييقات على محله بتهم "تمويل الإرهاب".

وقال مدير الحسابات في شركة البرعصي للصرافة والحوالات المالية محمد أبو دلو: "الحوالات المالية لها فترات ومواسم، حيث تزداد في الأعياد وشهر رمضان، وبداية الأعوام الدراسية في قطاع غزة".

وأكد أن معظم الحوالات المالية مرتبطة بصلة قرابة، في ظل تشديد رقابة سلطة النقد الفلسطينية، لافتاً إلى أنه في حال كانت الحوالة مرتبطة بعمل، فيجب على الزبون إحضار عقد العمل كي يتم صرف الحوالة له، موضحاً أن معظم الحوالات تأتي من دول الخليج ومصر وتركيا.

وقال: "في بعض الأحيان، في ظل إغلاق المعابر، نسلم حوالة الدولار بعملة الشيقل، بسبب عدم توفر الدولار، كما نضطر لتسليمها للمواطن بسعر صرف الدولار على الشيقل أو الدينار على الشيقل بسعر صرف البنك وليس سعر صرف السوق".

وتابع: "مثلاً، إن كان سعر صرف الدولار على الشيقل 3.27 وفي السوق 3.25، فإننا نقوم بصرفها بسعر البنك، وإن أراد المواطن صرف الشيقل إلى دولار بعد استلام الحوالة، فإننا نصرفها له بسعر السوق".

وأكد أن هناك هامش خسارة يتحمله المواطن بسبب هذه السياسة، موضحاً أن الصراف إن لم يفعل ذلك، فسيتحمل هو الخسارة، موضحاً أن البنك أيضاً يجبر شركات الصرافة على استلام قيمة الحوالة أحياناً بعملة الشيقل بذريعة عدم توفر دولار، لذا يحاول الصراف عدم الخسارة، وبالتالي تحميلها للمواطن.

وأرجع سبب عدم توفر عملة الدولار إلى الحصار الإسرائيلي، وركود الحركة التجارية في قطاع غزة بسبب إغلاق المعابر، إذ إن هناك أزمة خانقة في عملة الدولار، كما أن التجار في ظل ركود الحركة التجارية يخشون إيداع أموالهم بقيمة الدولار أو الدينار في البنوك خشية إحجام البنوك لاحقاً عن إعطائهم أموالهم بالعملة نفسها.

ولفت إلى الفجوة بين سعر صرف البنك وسعر الصرف في السوق في بعض الأحيان، منوهاً إلى أن نسبة خسارة المواطن تصل إلى 1 في المئة من قيمة الحوالة في بعض الأحيان.

وقال: "لا يستلم المواطن الحوالة إلا بعد أن يوقع على ورقة تفيد بموافقته على صرف الحوالة بغير العملة المحولة بها".

وأوضح أن سلطة النقد التي من مسؤولياتها إحداث توازن في سوق العملات في الأراضي الفلسطينية، لا تقوى على ذلك في ظل الحصار الإسرائيلي، فضلاً عن أن مجالس إدارة البنوك هي من تقرر تلك السياسات، وفق حاجاتها وليس بالضرورة لما تفرضه سلطة النقد، لافتاً إلى أن أهم المعيقات التي تواجه محلات الصرافة هي توفر عملتي الدولار والدينار من عدمه.

وقال: "فرق الحوالة في عملة الدينار أكبر، إذ يعتمد البنك سعر صرف بغض النظر عن السوق وهو 70.9".

ولفت إلى أن تشديد الجهات الرسمية الحكومية على الحوالات عائد إلى خشيتها من عمليات "غسل الأموال" وما يسمى "تمويل الإرهاب".

أما أبو سالم، موظف التحويلات المالية في شركة البرعصي، فأكد أنه يتم صرف الحوالة حسب العملة المتوفرة لدى الشركة، نافياً إطلاق كلمة خسارة على تلك العملية، إذ إن هامش فرق السعر يكون بسيطاً.

وأوضح أن الدينار له حسبة مختلفة لدى البنوك بسبب عدم توفره في الأسواق، لذا يكون هامش فرق سعر الصرف أكبر على المواطن.

من موقعه، أرجع رئيس سلطة النقد الفلسطينية فراس ملحم نقص السيولة في عملة الدولار والدينار بين الحين والآخر في قطاع غزة لحاجة عملية إدخال النقد من قبل المصارف لغزة إلى موافقة من الجانب الإسرائيلي في ظل القيود المفروضة من قبله على المعابر.

وأكد على ضرورة التزام المؤسسات المالية بدفع قيم الحوالات الواردة وفقاً للتعليمات ذات العلاقة وبالعملة نفسها، معتبراً أن المعيقات المالية ونقص السيولة قد تحول دون إتمام الدفع بالعملة نفسها في بعض الأحيان، مشدداً على ضرورة الحصول على الموافقة الخطية المسبقة من المستفيد إذا لم يتم الصرف بالعملة نفسها المحول بها.

وعن عدم توحيد سعر الصرف بين البنك والسوق المحلية، أوضح ملحم أن سلطة النقد حددت تعليمات حول الحدود الدنيا الواجب على المصارف توفيرها من السيولة النقدية من العملات الرئيسية المتداولة في السوق الفلسطينية، وذلك على مستوى المصرف وعلى مستوى الفرع، بهدف مقابلة عمليات السحب من هذه العملات، موضحاً أن سلطة النقد تعمل على إدخال كميات كافية من عملتي الدولار والدينار إلى قطاع غزة.

وعن دور سلطة النقد الفلسطينية في الرقابة على صرف الحوالات المالية في قطاع غزة، قال إن سلطة النقد تعمل وبشكل يومي على مراقبة أسعار صرف العملات وحجم السيولة النقدية المتوفرة من العملات المتداولة، كما تعمل المصارف على مراقبة حسابات وسلوك موظفيها وفقاً للتعليمات وإجراءات العمل، وفي حال وجود ما يشير إلى مخالفة الموظف، يتم اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية المناسبة وفق الأصول.

وقال: "سلطة النقد تستقبل أي شكاوى متعلقة بالمصارف أو شركات الصرافة أو مؤسسات الإقراض عبر وسائل الاتصال الخاصة بها والمتاحة للجمهور".

وأوضح أن السلطة تحاول إحداث توازن في العملات المتداولة في السوق في غزة، باستثناء فترات ومواسم معينة، إذ يرتفع خلالها الطلب على الدولار والدينار لانخفاض سعر صرفهما مقابل عملة الشيقل، وانخفاض العرض من هذه العملات من قبل المواطنين، فضلاً عن أن القيود المفروضة على المعابر تحد من قدرة المصارف على إدخال حاجاتها من العملات لفروعها العاملة في قطاع غزة.

وقال: "عادة ما تؤتي جهود سلطة النقد ثمارها في حل هذه الإشكالات المؤقتة، بإدخال ما يلزم من عملات إلى القطاع واستبدال التالف".

المحلل الاقتصادي مازن العجلة قال: "لا يوجد سبب مهني ورسمي يدفع شركات الصرافة وتحويل العملات لصرف مبلغ الحوالة بالعملة نفسها المحولة به".

وأرجع السبب إلى استغلال أصحاب الشركات الزبائن، مشدداً على وجود خلل في الإطار المصرفي والمالي في قطاع غزة بدأ بعد الانقسام الفلسطيني في عام 2007، انعكس بدوره على الحياة المالية في القطاع، وتسبب في ظلم المواطنين، خاصة أن معظم الحوالات التي تأتي للمواطنين، تأتي للفقراء لمساعدتهم أو من الأقارب.

وأوضح أن حجة أصحاب الشركات بعدم توفر الدولار أو عدم صرف البنك الحوالة بالعملة نفسها مردودة عليهم، مشدداً على أنها حجة غير مهنية وغير موثقة، مؤكداً وجود فرق في سعر صرف العملات في البنوك عن السوق السوداء وشركات الصرافة، ما يخلق فجوة كبيرة.

وقال العجلة: "البنك حين يصرف حوالة كبيرة، يصرفها بسعر يوازي سعر صرف السوق، وبالتالي لن تكون هناك خسارة لأصحاب الشركات".

وتابع: "على الجهات المسؤولة في القطاع ضبط هذه العملية، لما لها من آثار وتداعيات سلبية على الحياة الاقتصادية للمواطنين".

وشدد على أن دور سلطة النقد محدود جداً في قطاع غزة، كونها لا تتعامل مع سلطة الأمر الواقع في غزة "حكومة حماس"، لذا، من الضروري أن تتدخل أجهزة الشرطة أو وزارة الاقتصاد لمتابعة ومراقبة عملية صرف العملات، وحماية المواطنين من استغلال وجشع أصحاب شركات الصرافة، ومحاسبتهم.

وبين أن عدم صرف المبلغ بالعملة نفسها يضعف عمليات الشراء وكل الأنشطة الاستهلاكية التي يحتاجها المواطن، كونها تُحسم منه، مطالباً الجهات المسؤولة بالوقوف عند مسؤولياتها وإظهار الحقائق للعلن.

وختم قائلاً: "لا توجد أزمة دولار في قطاع غزة، وكل ما يتم تداوله مجرد إشاعات بهدف استغلال المواطنين".

 

* أعد هذا التحقيق الاستقصائي ضمن برنامج لمركز تطوير الإعلام لتدريب في الصحافة الاستقصائية بالشراكة مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية.


Developed by MONGID DESIGNS all rights reserved for Array © 2021