English

الشيكات المرتجعة.. تهرّب أمام عجز القانون


2021-09-25

مليارا دولار ومئات الملايين قيمة الشيكات المرتجعة.. من المسؤول؟

أفضل الحلول.. 50 شيقلاً تقسيط بالشهر لديون بمئات آلاف الشواقل

قدّم شيكات مرتجعة بـ 24 مليون شيقل بالمحكمة من 8 سنوات.. لم يحصل منها على شيقل واحد!

القانون والقضاء وسلطة النقد والبنوك تتحمل المسؤولية

غياب تام للتنسيق بين القضاء وسلطة النقد في القضايا المالية

 

محمد الديك*

 

"خلي القانون ينفعك!" عبارة سمعها مُعد التحقيق وهو في أحد محال السوبر ماركت في منطقة بيتونيا. رجل يشكو لآخر عندما سُئل عن آخر تطورات قضيته. بعد أيام، وعن طريق الصدفة في أحد الأفراح، رجل آخر يشكو ويقول: "قال لي بالحرف الواحد لا تقدمه للمحكمة لإنه ما رح يطلع معك إشي، أصلاً القانون ما بقدر يسجنّي يومين ثلاث، وإن طارت 91 يوم في السنة.. هيك المحامي حكالي".

بدأ الفضول يتسلل لِمُعِد التحقيق ليعرف أي قانون يجري الحديث عنه. اقترب معد التحقيق من عمر إبراهيم، أحد تجار الماشية الذي كان يروي تفاصيل ما حدث معه، حين رجعت شيكات شخص اشترى منه بضاعة بمئات آلاف الشواقل، وقال له: هل بالإمكان أن أستفسر عن تفاصيل القضية.

 

9 سنوات في المحاكم دون جدوى

عمر إبراهيم، يُكدس الآن شيكات مرتجعة بمئات آلاف الشواقل، يقول: عندما طالبت (ع. ب) بتغطية وتسديد قيمة شيكات أعطانيها ثمناً لبضاعة، أخذ يماطل ويماطل دون جدوى، بعدها، قررت التوجه للقضاء والمحكمة لتحصيل حقي.

"كنت أظن أن التوجه للقضاء هو طريق الحصول على حقي بعد استنفاد كافة الوساطات وفشل كل الوعودات السابقة"، يقول عمر. ويضيف: "تقدمت بالشكوى عام 2012، وحتى الآن لم أحصل على فلس واحد من أموالي المستحقة، اعتقدت أن القانون لحماية صاحب الحق، لكن بعد 9 سنوات، اكتشفت أن القانون الحالي المعمول به في القضايا المالية مجحف، بل يساعد الأشخاص على عمليات نصب واحتيال ويوفر لهم مخرجاً من القضايا".

الشخص ذاته، قُبِضَ عليه أكثر من 4 مرات، وخَرَجَ من السجن بعد وقت قصير، ولم يحصل عمر على حقه البالغة قيمته أكثر من 400 ألف شيقل. علماً أن غريمه مُشتكى عليه بسبب قضايا مالية حركها أشخاص آخرون كان قد أعطاهم شيكات، لم تصرف ورجعت لاحقاً.

يقول عمر: في إحدى المرات، قال لي عندما كان محتجزًا "أنا رتبت حالي، رح أقعد كم يوم في السجن، ولا مستعد أعطيك شيقل، إنت رحت على المحاكم والقانون، خليهم يجيبولك حقك"، ويكشف أن بعض القضايا المرفوعة على (ع.ب) هي لشيكات مسروقة من دفتر شيكات شخصٍ متوفى.

تعمّق معد التحقيق في تفاصيل القضية، ليجد أنها تُعالج في القضاء حسب قانون التنفيذ رقم (23) لسنة 2005م المعمول به في فلسطين، وبدراسة مواد القانون وربطها بظاهرة الشيكات المرتجعة في فلسطين، التي وصلت عام 2020 لأكثر مليارين و400 مليون دولار أميركي.

وجد مُعد التحقيق أن المواد التي تتعلق بحبس المدين، والتي كان يقصدها ذلك الشخص للتهكم على القانون والتهرب من تغطية شيكاته، هي المواد من 157 – 159، وقد وردت في الفصل الثاني من الباب الرابع للقانون.

وبالنظر إلى هذه المواد القانونية، فإنه حسب قانون التنفيذ، لا يمكن سجن أي شخص على قضايا مالية أكثر من 91 يوماً في السنة، إضافة إلى أنه بإمكان الشخص المُدان في هذه القضايا الاستعاضة عن فترة الحكم بكفالة مالية أو بدفع غرامة.

 

24 مليون شيقل شيكات مرتجعة لم يحصل منها على شيقل واحد!

قابل معد التحقيق الشخص الذي وُجهت له جملة "خلي القانون ينفعك!"، ليعرفنا عن نفسه، وهو علاء غفري، صاحب شركة تجارية متخصصة في الكوزمتكس والنثريات والمنظفات، وعند سؤاله عن العبارة التي سمعها منه معد التقرير في وقت سابق، قال "هي إجابة متهكمة قالها لي شخص أعطاني شيكات مرتجعة بقيمة 14 مليون شيقل، وذلك عندما اتصلت به وطالبته بتسديدها وتغطية قيمتها، بعد أن رفعت عليه قضية في المحكمة".

يكشف غفري أنه تقدم للمحاكم والقضاء لتحصيل شيكات مرتجعة تبلغ قيمتها أكثر من 24 مليون شيقل، ومنذ 8 سنوات، لم يستطع الحصول على شيقل واحد من هذا المبلغ، متهماً القانون المعمول به حالياً والقضاء بحماية النصابين والمحتالين وليس صاحب الحق؛ "القضاء يتحمل جزءاً من معاناتنا، أنا رافع قضية على مول تجاري من محافظة أخرى، وعندما يحين موعد المحكمة، أتعطل عن عملي وأنزل على المحكمة في تلك المحافظة، لكي أسمع أن المدعى عليه لم يحضر، بل وسُمح له بالسفر، وعندما يُعرض عليه تقسيط المبلغ، يطلب أن يكون 200 شيقل في الشهر، 200 شيقل من أصل مليون وأكثر!".

ويقول غفري: "المشكلة الأساسية في القانون، هناك أشخاص يستغلونه ويمارسون النصب والاحتيال بمبلغ كبير باستخدام الشيكات، وتجد منهم من يقول "مستعد انسجن 91 يوماً في السنة"، "هدول 91 يوم، وهاي فرشتي جاهزة"، وهي إجابات تؤكد أن القانون غير رادع لهذه الفئة".

ويضيف: "أغرب عملية احتيال تعرضت لها أنني رفعت قضية على شخصين بتهمة النصب باستخدام الشيكات، تفاجأت أنه أثناء المحاكمة، جرى نقل ملكية محلهما التجاري باسم شخص آخر، والقضية مرفوعة، وقبل اتخاذ حكم، وهذا ما يؤكد أن هناك عمليات احتيال تتم بعلم القانون تماماً"، كما يقول.

 

إجراءات عقيمة

غفري أوضح أنه يعيش معاناة أخرى بسبب الإجراءات القضائية، وقال: "تقدمت بشكوى، وبعد أسبوع، ذهبت للتأكد من سير الإجراءات، واكتشفت أنها لم تحول من الشرطة إلى القضاء، وفي قضية أخرى، ذهبت للقضاء، وتأكدت أن المُدعى عليه صادر بحقه عملية جلب وإحضار، وعندما ذهبت للشرطة، وجدت أن اسمه غير مسجل على مذكرة الإحضار، وعندما سألت ضابط الشرطة، أجابني "ما وصلنا اسمه"، وعندما عدت للنيابة، صور مسؤول النيابة مذكرة الإحضار وأرسلها للشرطة، ولكن حتى الآن، اسمه غير موجود على مذكرات الإحضار في الشرطة".

وطالب غفري جهات الاختصاص بصفته صاحب شركة معروفة بضرورة وجود أمن اقتصادي للحفاظ على اقتصاد البلد، قائلاً "أنا ملتزم تماماً بكل ما يطلب مني للدولة من دفع ضرائب، وملتزم بكل الإجراءات التي تطلب، ولكن على الدولة والقانون أن يحميا حقوقي".

 

الغرامة المالية.. بوابة قانونية للتهرب

محمد ناصر صاحب شركة مفروشات وإلكترونيات، يقول: "رفعت قضايا على أشخاص لتسديد قيمة شيكات راجعة عليهم منذ 5 سنوات وأكثر، لكن للأسف، الشرطة ما بتتحرك لتعتقل الشخص المدعى عليه"، ويقول إنه يضطر في بعض الأحيان لعمل أكثر من قضية على نفس الشخص، لأن قانون التنفيذ الحالي يتيح استبدال فترة عقوبة السجن بكفالة أو بغرامة.

ويضيف: "في يوم من الأيام، رفعت قضية على شخص، انتظرت سنتين دون أي جدوى، وجهات الاختصاص لم تتحرك للقبض عليه رغم صدور قرار ضبط بحقه، وفي أحد الأيام، رأيته في الطريق، اتصلت بالشرطة وأبلغتهم بهويتي وأنني رأيت ذلك الشخص وأنني رافع قضية عليه، وقلت لهم أرجو أن تتحركوا للقبض عليه وأعطيتهم العنوان، وفعلاً تم القبض عليه، ولكن لم تمضِ ساعتان، حتى تم الإفراج عنه عن طريق دفع كفالة، واليوم، هو حر طليق ومش عارف آخذ منه حقي".

يستدرك ناصر: "أصبح اللجوء للقانون مشكلة، لأن الجهة المُنفذة للقانون لا تتحرك لاعتقال الأشخاص الذين عليهم قضايا بالشكل المطلوب، ولا يتم التحرك لإبلاغه أيضاً، ويكتفى بإرسال إشعار من المحكمة بضرورة الحضور".

 

حلول بـ القطّارة.. 50 شيقلاً شهرياً!

يوضح ناصر أن كثيراً من الحالات المستحقة عليهم مبالغ، عندما يتصل عليهم أكثر من مرة من أجل تسديد قيمة شيكاتهم الراجعة، يقولون: "لي لليش معصب، روح على المحكمة علشان أقسطلك إياهم 50 شيقل بالشهر".

ويضيف: "القانون يظلم صاحب الحق حتى في حال التسوية، لأنه يتيح للمستدين فرض نسبة التقسيط اللي بده إياها، وإذا قلت للقاضي لأ، القاضي يُقر مبلغاً معيناً، وبصير صاحب الدين بمثابة متسول يروح على صندوق المحكمة علشان يوخد 50 شيقل أو 100 شيقل من مبالغ بعشرات ومئات الآلاف".

ويوضح ناصر: "هناك بعض الحالات الإنسانية ممكن يرجعلها شيكات بسبب ظروف معينة، ولكن أنا كتاجر وصاحب شركة، متأكد أن القضايا لا تصل للمحكمة إلا للأشخاص الذي ليست لديهم نية للدفع، لأنه في كثير من الحالات، تكون هناك ظروف معينة".

 

ليسوا هواة.. بل لصوص محترفون

يروي ناصر أن مجموعة من الأشخاص اشتروا منه بضاعة عن طريق الشيكات، وباعوها عن طريق الكاش، بعد ذلك، رفضوا تسديد قيمة شيكاتهم، يقول: "هؤلاء الأشخاص واثقون ويعلمون أنه في حال التوجه للمحكمة، في أحسن الظروف رح يقعد أسبوع أو أسبوعين أو مرات يوم وبروح، وبالتالي، هذا يعطي هذه الفئة من الناس مخرج لتمارس عملية النصب والاحتيال وكتابة الشيكات دون رصيد".

وكشف أن بعض الحالات منذ البداية لا يكون لديهم توجه للتسديد، وقال: "شخص قال لي بالحرف الواحد "ارفع الشيكات للمحكمة، وأنا رح أحكي للقاضي إني مريض بالقلب، وهو مستحيل يسجني"، وبالتالي، هذا الشخص مارس عملية خداع واحتيال ثانية في نفس القضية، وهذه الفئة يكون لديها معرفة بالقانون ويعلمون المخارج التي يمكن أن يستغلوها من خلال القانون".

 

اتهامات لسلطة النقد والبنوك بالتقصير

واتهم ناصر سلطة النقد والبنوك بالتقصير وعدم وضع ضوابط جدية لمواجهة ظاهرة الشيكات المرتجعة، ويقول: "بالنظر لطريقة حفظ البنك لحقه في موضوع القروض، بإمكان البنك حفظ حق الزبائن في الشيكات بنفس الطريقة، بحيث لا يمكن إعطاء شيكات لأي شخص، وأن يكون هناك سقف معين لإصدار الشيكات، إضافة لوجود كفلاء على الشيكات، على غرار الطريقة المعمول بها في موضوع القروض"، وبالتالي، هم جزءٌ من هذه الإشكالية.

وتساءل: لماذ لا يتم العمل بهذه الطريقة؟ أم أن الاستفادة من رسوم ختم الشيكات المرتجعة (50 شيقلاً) على كل شيك هي التي تمنع ذلك؟ لا سيما في ظل العدد الكبير للشكيات المرتجعة. وأوضح: "يمكن للبنك حل ذلك بتحديد سقف لصاحب دفتر الشيكات حسب معدل الدخل، وبضمانات كفلاء، بحيث إنه في حالة وصل الشيك للبنك لا يرجع.

 

ظاهرة خطيرة

الخبير والباحث في معهد ماس، مسيف جميل، وصف ظاهرة الشيكات المرتجعة بـ "الخطيرة"، وقال "بغض النظر عن مقصد الشيك، إن كان للنصب أو لسبب آخر، لا نستطيع اتهام البنوك أو سلطة النقد بتسهيل عمليات الاحتيال باستخدام الشيكات، وبالتالي، أن تكون سبباً في الازدياد المطرد لظاهرة الشيكات المرتجعة".

وأضاف: "من غير المقبول أن تقوم سلطة النقد بإعطاء شخص دفتر شيكات وعليه قضايا مالية في المحكمة، لأنها في هذه الحالة تضر نفسها".

وعن حجم الشيكات المرتجعة في فلسطين، لفت إلى أن حجمها كبيرٌ جداً مقارنة بدول الإقليم والعالم بعد أن وصلت لأكثر من مليارين و400 مليون دولار عام 2020، موضحاً أن هذه الأرقام كبيرة جداً بالنسبة لحجم الودائع، وهي تزيد عن دول الجوار مثل مصر والأردن. ووصف نسبة الشيكات في فلسطين بـ"المهولة وغير المصدقة"، لافتًا إلى أن الاقتصاد الفلسطيني تأثر كثيراً من حجم الشيكات المرتجعة، وأن حل ومعالجة هذه الظاهرة مهم جداً للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني.

 

تهاون لدى المحامين والقضاء

وأوضح جميل أن الازدياد المطرد والمستمر لظاهرة الشيكات المرتجعة لا تتحمل سلطة النقد مسؤوليته، محملاً القضاء والقانون المسؤولية الأكبر من هذه الظاهرة الخطيرة، أولاً من خلال النظام القضائي في بنوده ونصوصه، وثانياً النظام القضائي في التنفيذ، ولا سيما أن القانون ينص على أن من يرجع له شيك يمكن أن يسجن من يوم لغاية 91 يوماً، ولكن في التقاضي المعمول به حاليًا، يأخذ القضاة الحد الأدنى من العقوبة رغم الازدياد المستمر في ظاهرة الشيكات الراجعة.

وأضاف: "القانون الحالي واضح، وبسبب الظروف وازدياد الظاهرة، فعلى قضاة التنفيذ إيقاع عقوبة وسطية على أقل تقدير بحق المتهمين، وفي حال كان الشخص متهماً بمبالغ كبيرة، يجب إيقاع الحد الأقصى من العقوبة عليه، بهدف حماية الاقتصاد الوطني، مشدداً على ضرورة وجود صرامة في تنفيذ القانون، خصوصاً إن كان هناك تلاعب في حقوق الآخرين.

ولفت إلى أن المحامين لديهم الدور الأكبر في تحديد المسارات القانونية للشيكات المرتجعة حول ما إذا كان سيذهب للمحكمة كونه ديناً مستحقاً، أم إلى النيابة كونه جريمة نصب واحتيال، وقال إن المحامين عليهم أن يأخذوا مساراً واحداً في القضية وهو محاسبة صاحب الشيك على أنه ارتكب جريمة قانونية، مؤكداً أن أي شيك يرجع هو عملية نصب سواء بقصد أو بغير قصد.

وطالب المحاكم والقضاء بعمل تقرير إحصائي، حول التزام الناس الذين حُكموا بالحد الأدنى من العقوبة بالتسديد، ليتضح لهم أنه من الأساس يجب أن تكون هناك صرامة في القانون، لكي لا يتجرأ الآخرون على استغلاله لممارسة عمليات النصب والاحتيال.

 

قانون عاجز

الخبير الاقتصادي محمد خبيصة قال إن نسبة الشيكات المرتجعة في فلسطين بلغت 10%، وهو رقم أعلى من دول الإقليم وأعلى من المتوسط العالمي. وفي حديثه عن فعالية قانون التنفيذ المعمول به في تقليل نسبة الشيكات المرتجعة، وتحصيل حقوق الناس يقول: "انه عند سجن شخصٍ 91 يوماً في أشد الحالات ومهما كانت الجريمة، فإنه يعطي ذلك الشخص شعوراً بالأمان، وقد يدفعه لعدم التسديد كونه لن يتعرض لأي عقوبة أخرى طوال السنة مهما كان المبلغ".

وأضاف: "القانون المعمول به والإجراءات المتبعة في المحاكم هي المسبب الرئيسي لهذا الحجم الكبير من الشيكات المرتجعة في فلسطين"، لافتاً إلى أن الاحتكام للقانون بات أسهل طريقة لمصدر الشيك للتهرب من قيمة المبلغ المطلوب منه، حتى لو كان التهرب ليس بهدف النصب والاحتيال، وإنما بهدف التأجيل أيضاً لأجل لاحق.

 

غياب تام للتنسيق بين القضاء وسلطة النقد في القضايا المالية

وانتقد خبيصة عدم وجود أي تبادل للبيانات بين سلطة النقد ودوائر التنفيذ في القضاء بخصوص القضايا المالية، وهذا ما أكدته سلطة النقد التي قالت "لا يوجد تصنيف لدينا عن العملاء المرفوع عليهم قضايا شيكات مالية، ولا يوجد تبادل لبيانات الأفراد ما بين سلطة النقد والسلطة القضائية، إلا بناءً على قرارات المحاكم المختصة".

 

هذا ما ينقص القانون

وقال الخبير خبيصة إن قانون التنفيذ بحاجة إلى مسألتين؛ الأولى: أن يُراعي مصالح المستفيد من الشيك بالحصول على قيمته النقدية في فترة زمنية قصيرة، والأخرى أن يحافظ على قدرة مصدّر الشيك أن يفي بقيمة المبلغ المكتوب في الشيك.

وأضاف: "التخفيف من إشكالية الشيكات المرتجعة يكمن بتحديد سقف الشيك بالنسبة للأفراد بحيث لا تزيد كل ورقة شيك عن 2500 شيقل على سبيل المثال، وبالنسبة للشركات، يمكن رفعه حسب الأصول المالية المسجلة للشركة".

وأشار إلى أن القانون يمكن أن يكون فعالاً بشكل أكبر ولكنه بحاجة لبعض التعديلات كتخفيض مدة الحبس، 91 يوماً، والاستعاضة عنها بقرار قضائي يلزم مصدر الشيك أن يفي بتسديد المبلغ خلال مدة معينة تتلاءم مع مصدر دخله، وفي حال تخلف عن السداد، يحكم مصدر الشيك بفترة عقوبة مضاعفة عن الفترة الأولى، وعند خروجه يصدر قرار قضائي بالزامه بتسديد المبلغ في مدة معينة، وفي حال لم يف بذلك، تتم مضاعفة فترة العقوبة داخل السجن وهكذا، مضيفاً "هذه الطريقة تعطي لمصدر الشيك مهلة وأكثر من فرصة للسداد"، مشيراً إلى أن فترة سجن 91 يوماً في كل السنة تعتبر بمثابة الجائزة للأشخاص الذين لديه نوايا للقيام بعمليات نصب واحتيال وإصدار شيكات بدون رصيد.

 

آلية التقاضي والتحصيل في القضايا المالية

تحدثت المحامية المختصة في قضايا التحصيل، آلاء زبن، عن الطريقة التي تعمل بها من خلال القانون لتحصيل الشيكات المرتجعة، وقالت إن الحبس الذي نص عليه قانون التنفيذ لا يعتبر عقوبةً، وإنما هو وسيلة من وسائل التنفيذ الجبري، والهدف منها إكراه المدين أو المحكوم عليه للإيفاء ما في ذمته من دين لصاحب الدين، وأشارت إلى أنها تعارض رأي الناس بأن القانون غير رادع بحجة الجملة الشهيرة "أنه يسجن 91 يوم، وبعدها بطلع شو ما كان الدين عليه".

واعتبرت زبن أن المواد المنصوص عليها في قانون التنفيذ والتي تتعلق بحبس المدين ليست سهلة وليست قصيرة، لافتة إلى أن الشخص أمامه كثيرٌ من الحلول بعد إصدار أمر حبس بحقه مثل تقديم استئناف ودفع كفالة، أو دفع المبلغ كامل أو من خلال التواصل مع وكيل المحكوم له لتسجيل مصالحة وتسوية.

وأكدت أن هناك كثيراً من الحالات تتصل بها لعمل تسوية لحل قضاياهم تجنباً للحبس، مع التأكيد أن ظاهرة النصب والتهرب من التسديد موجودة، وأن هناك أفراداً يسجنون 91 يوماً دون أن يظهروا استعداداً لدفع شيقل واحد من المبالغ المستحقة عليهم، ولكن رغم هذه الحالات، لا يجوز القول إن القانون غير رادع.

 

إجراءات بديلة

وأوضحت زبن أنها في القضايا التي تكون بها عمليات نصب واحتيال وتعنت من صاحب الشيك المرتجع بعدم السداد، قد تلجأ للعمل بطرق أخرى غير الحبس لتحصيل الدين مثل حجز الأموال في البنوك، أو التوجه للشق الجزائي من خلال التوجه للنيابة العامة بتسجيل شكوى إصدار شيك بدون رصيد، وبالتالي، تصدر بحقه لائحة اتهام ومذكرة توقيف، قائلة "هذا الشق رادع بشكل كبيرٍ جداً ويحصّل أكبر بكثير من الحبس التنفيذي كونه يخرج من مدة الحبس المحددة بـ 91 يوماً، وفيها يستطيع القاضي حسب سلطته التقديرية وقيمة الشيكات في القضية سجن المتهم لمدة قد تصل لسنتين.

وعند سؤالها حول سبب عدم توجه المحامين في قضايا التحصيل مباشرة إلى الشق الجزائي، قالت إنه لا يمكن التوجه للشق الجزاي دائماً، كون التقادم عنصراً هاماً في الشق الجزائي؛ إذ إنه لا يمكن تقديم شكوى إذا مرت 3 سنوات على استحقاق الشيك، وهو بذلك يفقد صلاحية التوجه للنيابة العامة.

وحول الحالات المتضررة التي أمضت أكثر من 8 سنوات ولم تتحصل على شيقل واحد من حقوقها، وعن المسبب والمقصر في ذلك، قالت إنها تملك ملفات قبل ذلك التاريخ وإن لديها ملفات قبل عام 2009، لكثرة الملفات وأعدادها المهولة والمتزايدة، وهو ما شكل ضغطاً على المحاكم والقضاة، وتابعت: "كثير من المواطنين يحاولون الوصول إلى تسوية في قضاياهم فيما بينهم إن أمكن، لتجنب الدخول في إجراءات المحاكم كونها تأخذ وقتاً طويلاً".

 

تبليغ الشهود يستغرق سنوات

وقالت زبن إن هناك نقصاً في الكادر القضائي مقارنة مع حجم الملفات التنفيذية التي تسجل سنوياً، وذكرت أن دائرة تنفيذ رام الله مثلاً تسجل 11 ألف ملف تنفيذي في العام الواحد، موضحة أن طبيعة الإجراءات في المحكمة طويلة نوعاً ما، وأن تبليغ الشهود يمكن أن يستغرق عدة سنوات.

 

ثغرة القانون وآلية معالجتها

وأكدت المحامية زبن أن هناك أفراداً يقومون بعمليات نصب واحتيال باستغلال معرفتهم الجيدة بالقانون وأن فترة الحبس يمكن الاستعاضة عنها بالغرامة أو الخروج بكفالة، وقد يعتبر الحبس 91 يوماً غير كافٍ، مشددة على أنه لا يجوز التعامل مع هؤلاء ومحاكمتهم كشخص تعذر عن السداد بسبب ظروف معينة أو أنه مدين بمبلغ قليل.

وبينت أن القانون له إيجابيات كثيرة لا يجوز إغفالها بسبب سلبية واحدة، وأن معالجة النقص تكون بوسائل رادعة أخرى غير الحبس، مثل اشتراط الحصول على أي خدمة من المؤسسات العامة (تجديد الرخص، والهوية، وجواز السفر، وشهادة عدم محكومية) بالحصول على براءة ذمة وتسديد كافة الديون عليه، مشيرة إلى أن هذه الآلية تستخدمها الدول المتقدمة لردع عمليات النصب والاحتيال، سواء باستخدام الشيكات أو غيرها.

وقالت: "مطلوب من المشرع الفلسطيني إضافة مادة أو بند معين في قانون التنفيذ في حال تعدد الدين لأكثر من سنة أو سنتين، حتى تصير للقاضي سلطة تقديرية لتقرير مدة حبسه ليصبح رادعاً بشكل أكبر لتلك الفئة التي تستغل هذه الثغرة، ليصبح بالإمكان حبسهم أكثر من 6 أشهر لمنع تحويل الحبس لغرامة، كون أي مدة تزيد على 6 أشهر لا يمكن تحويلها لغرامة ويجري حبسهم فعلياً.

 

مسؤولية الشرطة

الخبير القانوني والقاضي السابق أحمد الأشقر أكد أن القانون لا يساعد الأشخاص على الإفلات من المحاسبة، وقال: "حبس المدين مدة 91 يوماً في السنة هي مدة طويلة نسبياً، خاصة إذا كان المدين متعثراً فعلياً"، وأضاف: "كثير من الدول لا تسمح بإكراه المدين بدنياً لإجباره على دفع الدين، لا سيما إذا كان عاجزاً فعلياً عن الوفاء بالالتزامات التي عليه، وهذا تم تطبيقه في عدة دول بالاستناد إلى المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية".

وأوضح الأشقر أن إفلات أصحاب الشيكات المرتجعة والمتخلفين عن السداد من المساءلة القانونية ومن الحبس مرهون بعدم تنفيذ أوامر الحبس لجزء كبير من المدانين من قبل الشرطة، مؤكداً أن هناك مئات أوامر الحبس تصدر عن الجهات القضائية ولا يجري تنفيذها، سواء لضعف إمكانيات الشرطة أو وجود مناطق واسعة خاضعة لسيطرة الاحتلال. واعتبر أن عدم تنفيذ القرارات التنفيذية التي تصدر عن المحاكم في قضايا التنفيذ هي مسؤولية الأشخاص القائمين على تنفيذ القانون وليس القانون نفسه.

 

أكثر من إشكالية

القاضي السابق الأشقر أكد أن هناك حالات فعلية تقوم باستغلال القانون للقيام بعمليات نصب والتهرب من السداد، ولكنها نادرة وليست ظاهرة، وشدد على أن المشكلة ليست في القانون، وإنما في تنفيذ أوامر الحبس، وقال: "هذه حالات نادرة وليست ظاهرة ولا يقاس عليها، وأكد وجود حالات من هذا القبيل، لكن هذه الحالات تتضرر من حبسها كل سنة 91 يوماً وهي مدة ليست قليلة"، واعتبر أن الحبس أكثر من ذلك هو مساس بالحريات العامة.

وعن إجراءات التقاضي المعمول بها، قال الأشقر: "هناك إشكاليات في قانون التنفيذ لها علاقة بالشيكات وغيرها من الأوراق التجارية، مثل عرض تسوية لبعض الملفات بمبالغ قليلة مقارنة بالمبلغ المطلوب"، مضيفاً: "الإشكالية الثانية في قانون التنفيذ هي أن الاستئنافات التي تتم على أوامر الحبس وغيرها من ملفات التنفيذ توقف تنفيذ الملف التنفيذي، وهذا يؤدي إلى تأخير كبير في إجراءات تحصيل حقوق الدائنين"، وأضاف: "الإشكالية الثالثة تكمن في جلسات إثبات الاقتدار التي تأخذ مدى واسعاً وعدة جلسات، مشدداً على أن كل الإشكاليات السابقة تساهم في تأخير الفصل في الدعاوي التنفيذية، إضافة إلى نقص الكادر القضائي، وعدم استقرار الاجتهادات القضائية".

وأشار إلى أن آخر تعديلات تمت على قانون تشكيل المحاكم قالت إن الاستنئاف تنظره محاكم البداية بصفتها الاستئنافية، لافتاً إلى أن ذلك أدى إلى عدم استقرار كبير في الأحكام، وبالتالي، تأخير الفصل في القضايا وإحداث خلط ولبس لدى الكثير من الناس.

 

ما هو المطلوب؟

وقال الأشقر: "بعض النصوص في القانون قد تساهم في إفلات البعض، لكن بشكل عام، الحبس هو أداة تنفيذية فعالة لتحصيل الحقوق"، وأشار إلى أن جعل القانون فعالًا أكثر لا يكون بزيادة مدة الحبس، إنما بتوسيع الإجراءات التنفيذية الأخرى، كالحرمان من الخدمات التي تقدمها بعض المؤسسات على غرار دول أخرى، وربط الحصول على خدمات معينة بالحصول على براءة الذمة من المحكمة وأنه خالٍ من الديون، إضافة إلى تعزيز القوة الشرطية لتنفيذ أوامر الحبس، وتأهيل الكادر القضائي والموظفين وزيادة أعدادهم، وإلزام المحكوم عليه بعرض تسديد ربع الدين في أي تسوية"، مضيفاً: "الأردن مثلا تلزم المدين بعرض نسبة تسوية لا تقل عن ربع الدين المطلوب".

وأضاف: "هناك اقتراحات لإلغاء الحبس تماماً والاستعاضة عنه بوسائل تنفيذية جبرية غير الحبس، مثل الحجز على الأموال والممتلكات وربع الراتب إذا كان موظفاً"، وشدد على أنه يجب تفعيل هذه الأدوات، لافتاً إلى أن بعض الدول تلجأ إلى حرمان المدين من الحصول على بعض الخدمات، وقال إن هذه الخطوة تساهم بألا يكون الحبس هو الوسيلة الوحيدة لإرجاع الحقوق لأصحابها.

 

تدخلات سلطة النقد للحد من ظاهرة الشيكات المرتجعة

حاول مُعد التحقيق التنسيق مع سلطة النقد لعمل مقابلة حول موضوع الشيكات المرتجعة، ولكن تعذر ذلك، واكتفت السلطة بإرسال إجابات عن بعض الاستفسارات من خلال البريد الإلكتروني، إذ أكدت السلطة أنها عملت خلال الفترة الماضية على وضع إجراءات للحد من هذه الظاهرة، من خلال تطوير نظام الشيكات المعادة وإطلاق نظام الاستعلام الائتماني لشركات القطاع الخاص.

وأوضحت سلطة النقد أنها تقوم حالياً بتطوير نظام الاستعلام الائتماني للمواطنين ليتمكن المستفيدون من الشيكات من الاستعلام عن مصدري الشيكات ومعرفة وضعهم على النظام قبل التعامل معهم. أما بخصوص الضمانات التي تطلبها البنوك، فقد أكدت السلطة أنه لا توجد أي ضمانات تطلبها المصارف من العملاء، وفيما يتعلق بالشيكات والعملاء المصنفين على النظام، "لا تقوم المصارف بمنحهم دفاتر شيكات أو تسهيلات ائتمانية".

وقالت إن نظام الشيكات المعادة والمطبق والممنوح صلاحيات عليه للجهاز المصرفي ومؤسسات الإقراض يفي بالغرض، حيث بإمكان البنك أو مؤسسة الإقراض، الاستعلام عن العميل بعد الحصول على تفويض بالاستعلام منه ومعرفة وضعه على نظام الشيكات المعادة، ومعرفة ما إذا كانت لدى العميل شيكات معادة أم لا.

وأضافت أن أنظمة الائتمان لدى سلطة النقد تتضمن كافة بيانات الشيكات المعادة، وأنه يتم تصنيف كافة المواطنين على هذه الأنظمة، وفقاً لعدد الشيكات المعادة على حساباتهم.

وبيّنت سلطة النقد أنها ملتزمة بالقانون ومحددات السرية المصرفية، بحيث لا يتم التصريح عن بيانات المواطنين إلا بموافقتهم أو بناءً على قرار محكمة مختصة، موضحة أن نظام التصنيف يعتمد على بيانات الجهات الخاضعة لرقابة سلطة النقد، والجهات التي يتم تنظيم اتفاقيات معها حول هذا الشأن، ويتم الاستعلام عن المواطن بعد الحصول على تفويض منه بشأن ذلك.

 

وبعد..

يُظهر التحقيق أن قانون التنفيذ المختص بمعالجة القضايا المالية/ الشيكات، إلى جانب الجهاز القضائي الفلسطيني، عاجزان في المحصلة النهائية، عن إعادة حقوق المتضررين من الشيكات المرتجعة أو حتى تنظيم إعادتها بشكل لا يتحقق معه الضرر لأصحاب المظالم المالية، بل إن هؤلاء يوجهون أصابع الاتهام لجهات الاختصاص الرسمية في هذا الإطار بتوفير مخرج وغطاء للمتهمين بالتهرب من السداد، على اعتبار أن عقوبة السجن 91 يوماً في أقصى الحالات عقوبة غير رادعة، ويمكن الاستعاضة عنها بكفالة مالية وغرامة.

ويكشف التحقيق أن هناك فئة من مصدري الشيكات تستغل نصوص القانون، وهي على معرفة تامة بها، وتقوم بمخالفات مالية على رأسها التهرب من السداد، سواء باستخدام الشيكات أو غيرها من الأوراق المالية، وهو ما أجمع عليه المتضررون والخبراء الاقتصاديون والقانونيون، ويعتبر القانون بشكله الحالي غير رادع لهم، بل "أقل الشرور" على قاعدة "الفرشة جاهزة".

كما يكشف التحقيق أن أحد أهم الأسباب التي تقف خلف الازدياد المطرد لقيمة الشيكات المرتجعة في فلسطين سنوياً، هو القانون والمعالجة القضائية غير الفاعلة، طويلة الأمد، غير الصارمة، وهو ما أكده الخبراء الاقتصاديون الذين اعتبروا القانون الحالي غير رادع، ويعطي المجال للبعض من أجل القيام بمخالفات مالية تحت ناظري القانون والجهات التنفيذية.

ويبيّن التحقيق أن هناك نقصاً في الكادر القضائي بدوائر التنفيذ، وهو ما تسبب بضعف الإجراءات التنفيذية، وسرعة تنفيذ الأوامر الصادرة عن دوائر التنفيذ، وهذا ما أكده الخبراء القانونيون الذين اشتكوا من تباطؤ إجراءات التقاضي في المحاكم، حيث انعكس أثره على شكل تَكَدُّس القضايا وعدم وجود أحكام وحلول فيها رغم انتظار أصحابها سنوات طويلة.

ويجمع أهل الاختصاص في هذا المجال، وفي سبيل تعزيز سيادة القانون وتشجيع الاستثمار، على أن أولى الخطوات لمعالجة هذه الظاهرة تتمثل في إدخال تعديلات على مواد القانون، ليصبح فعالاً بشكل أكبر، وليمنع التهرب من السداد، لما لذلك من تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني، وأن يكون هناك توسع في الإجراءات التنفيذية الأخرى كالحرمان من الخدمات التي تقدمها بعض المؤسسات، وهو ما طبقته بعض الدول وأثبت فعاليته، مع ضرورة أن تتضمن التعديلات نسبة محددة من المبلغ المالي المستحق على المدين.

حاول معد التحقيق التواصل مع مجلس القضاء الأعلى للحصول على إذن بإجراء مقابلة مع أحد قضاة التنفيذ حول الموضوع، لكن لم يحصل عليه.

 

* أعد هذا التحقيق الاستقصائي ضمن برنامج لمركز تطوير الإعلام لتدريب في الصحافة الاستقصائية بالشراكة مع مؤسسة كونراد آيدنأور الألمانية


Developed by MONGID DESIGNS all rights reserved for Array © 2021